ما هكذا يحارب الإسلام السياسي في فرنسا يا مجلس الشيوخ

الإخوان المسلمون نجحوا نسبيا في استراتيجية التغلغل المخاتل داخل مؤسسات الدولة.
الأربعاء 2020/07/29
مناطق الجمهورية الضائعة

استفاد تيار الإسلام المتطرف في فرنسا من الغطاء القانوني للحريات الفردية وقيم الجمهورية والديمقراطية، لينقلب عليها ويحاول التمدد في هذا البلد وبسط نفوذه على مناطق عديدة فيه وجعله في شكل مقاطعات معزولة عن سلطة الدولة والقانون، وهو ما يدركه المسؤولون الفرنسيون والسلطات، ما جعل مجلس الشيوخ يوكل مهمة إعداد تحليل لواقع التطرف الإسلامي في بلد الأنوار وإصدار تقرير ينتهي بتوصيات وتحذيرات لأجهزة الدولة للتصدي لهذا الخطر القادم من التشدد القائم على العقيدة الإسلامية، ومحاولاته لتغيير طبيعة الحياة والمجتمع في فرنسا. لكن تقرير اللجنة البرلمانية لا يبدو أنه قدم تشخيصا عمليا للوضع ولا نهجا في صياغة علاجات ناجعة للممارسات الخارجة عن القانون، بل كان مجرّد نتائج تجاوزها الواقع والأحداث.

بعد حوالي ثمانية أشهر من البحث والتقصي واستجواب أكثر من ستين شخصية فرنسية، منها وزير التربية والرياضة، ووزير الداخلية، وأخرى من الوسط ألجمعياتي ومن مجال البحث، قدمت لجنة التحقيق يوم 9 يوليو أمام مجلس الشيوخ الفرنسي تقريرها حول التطرف الإسلامي في 417 صفحة.

بعد قراءة التقرير نخرج بنتيجة مفادها أن الإسلام الراديكالي يتخذ كل الأشكال في فرنسا، ويتغلغل في كل نواحي الحياة الاجتماعية، ويحاول فرض معايير اجتماعية جديدة، مستفيدا من الحرية الفردية المضمونة في فرنسا، ليتفشى وينخر البلد تحت يافطة الدفاع عن الحريات الفردية.

ولئن قدم التقرير تشخيصا مقبولا للوضع، والذي هو في الحقيقة تحصيل حاصل، فالأمر واضح ومبين منذ عشريتين في كتابات كثيرة، إلا أن الاقتراحات التي خلص إليها، للتصدي لظاهرة الأسلمة جاءت محتشمة في أغلبها ولم ترتق إلى مستوى التحدي الكبير. وطالما عوّدنا السياسيون الفرنسيون على التشخيص التهويلي، بينما العلاج كان سيئا خاصة في قضايا الإسلام السياسي. وهو ما نستشفه من خلال التمعن في مجمل الاقتراحات الـ44 التي اعتقد الذين أعدوا التقرير أنها كفيلة بالحد من تصاعد التطرف في فرنسا.

ومن بين المقترحات منع الدعاة المرتبطين بجماعة الإخوان المسلمين من الدخول إلى التراب الفرنسي. ولا يقول لنا كتبة التقرير كيف يمكن التعرف عليهم، فلا أحد يصرح بأنه من الإخوان المسلمين، علاوة على أن الخطابات الدعوية تتم اليوم عبر الإنترنت في محاضرات ولقاءات افتراضية.

واقتراح آخر يفرض على الجمعيات الدينية التعهد بالتوقيع على “ميثاق احترام القيم الجمهورية”. ويتجاهل واضعو هذا الإجراء وجود قانون يعتمده الإسلامويون يقضي بـ”التقية”، حيث توافق بموجبه كل الجمعيات على الميثاق المذكور ولا تلتزم على الإطلاق باحترامه.

المسؤولون الفرنسيون يتجنبون النظر إلى الواقع الموبوء بالإسلام السياسي لأسباب أهمها الخوف من تهمة الإسلاموفوبيا والضغوط الحقوقية

ويطالب التقرير بالشفافية بخصوص الأموال التي تصل إلى الجمعيات من خارج فرنسا. ويسعى المموّلون إلى الإبقاء على المسلمين خارج الفضاء العلماني الفرنسي، وهم يدركون أن ذلك لا يتم إلا عن طريق التحايل على القانون، وستحرص الجمعيات الإسلامية، التي قد تطولها يد القانون في أيّ لحظة، على التكتم على أسماء المموّلين، حتى لا ينكشف أمرهم، كما حدث عام 2019 لمنظمة “قطر الخيرية”، المتهمة بتمويل الإرهاب.

الغريب أن يحذر التقرير من وقوع أمر قد حدث بالفعل، وهو انتشار ممارسات تضر بـ”العيش المشترك، وتضرب حرية الضمير والمساواة بين الرجل والمرأة”.

في الماضي، عندما زارت جاكلين أوستاك برينيو، عضو البرلمان أحد أحياء الضواحي، حذرت قائلة “يجب التصرف بسرعة، فاليوم في فرنسا، ما عدا الجهة الغربية، كل الجهات يطولها الإسلام المتطرف، وإن لم نتخذ إجراء مناسبا، سنشهد انفصال أحياء ومناطق بأكملها عن الجمهورية خلال بضع سنوات”.

كل هذا وقع بالفعل، ومنذ سنوات وهي لا تدري أو تتعامى عمّا يجري. كان عليها المطالبة باسترجاع“مناطق الجمهورية الضائعة” كما باتت تعرف.

يتجنب المسؤولون الفرنسيون النظر إلى الواقع الموبوء بالإسلام السياسي، لأسباب كثيرة أهمها الخوف من تهمة الإسلاموفوبيا الجاهزة، وضغوط منظمات حقوق الإنسان والاتحاد الأوروبي.

كانت استراتيجية الإخوان المسلمين دائما التغلغل المخاتل داخل مؤسسات الدولة، بغرض فرض أيديولوجيا الإسلام السياسي، وقد نجحوا في ذلك نسبيا، فأسسوا مدارس وحتى معهد لتكوين الأئمة.

ومع الأسف لا يشير التقرير إلى ضرورة إعادة النظر في ذلك، رغم أنه يرى في الإسلام السياسي تهديدا مستمرا للمجتمع الفرنسي. والسؤال الموجه إلى معدي التقرير هو: لقد أنجزتم عملكم قبل افتكاك الإسلاميين بلدية غوسنفييل، في الانتخابات البلدية الأخيرة، فكيف تتعاملون مع هذا الخطب السياسي اليوم؟

13