ما هي السعادة

الخميس 2016/08/04

كلما التقيت بأحدهم أو إحداهن وتناقشنا حول مفهوم الزواج السعيد أو الناجح انتهينا إلى نتيجة واحدة مفادها أنه لا يوجد زواج ناجح.

الزواج الناجح مصطلح نغالط به أنفسنا على اعتبار أن الزواج قابل للقياس بمقاييس النجاح والفشل وأن السعادة تركيبة كيميائية تتوفر بمجرد خلط مكونات بعينها بمقادير بعينها.

الزواج الناجح في بعض البيوت، هو الذي لا تمتلئ أركانه بالخلافات والمشاجرات، ولا تعلو فيه أصوات الانتقاد والاتهام، لكن ماذا عن الصمت؟ أليس الصمت أحيانا علامة على الاستسلام لقدر بائس وحياة بلا طعم.

الزواج الناجح في بيوت أخرى هو اكتفاء مادي وأبناء متفوقون، وزوجان ملتزمان بواجباتهما تجاه بعضهما وتجاه الأبناء، لكن ماذا عن التنازل الذي يبلغ أحيانا حدّ ألّا يعود الواحد يذكر أن له حياة ورغبات واحتياجات خارج هذا النظام القاسي الصارم، وماذا عن التضحية التي تصل إلى حدّ تخلي المرأة عن تعليمها أو مستقبلها أو نجاحها لتترك الفرصة للزوج والأبناء؟

الزواج الناجح في بيوت أخرى ثقة وحب، فهل يمنع هذان العاملان، على أهميتهما الفقر والمرض وهموم الحياة؟

في النهاية الزواج الناجح هو ما نحن عليه باختصار، كل وفق قياسه ومنظوره، كل وفق القالب الذي وضعه لنفسه وانتظم داخله، كل وفق احتياجاته.

وهو ليس زواجا بين طرفين، بل زواج بين عالمين وحياتين، هو مجموع علاقاتنا داخل الزواج وخارجه، لهذا تجد أزواجا لا يسعدون إلا في وجود أطراف خارجية كعائلة الزوج أو الزوجة، أو الأشقاء أو الأم أو الأب أو غير ذلك، فإن خرجوا عن هذا النظام العائلي ابتأسوا. وتجد أزواجا لا يسعدون إلا بتوفر عوامل أو أشخاص من خارج الزواج نفسه، كالعشيقات مثلا.

في النهاية ما هي السعادة؟ كيف نبلغها؟ وهل سعادتنا واحدة؟ هل ما يسعد الزوج يسعد الزوجة مثلا؟ هل ما يسعد الزوجين يسعد الأبناء؟ لا توجد سعادة عامة، ولا وضع نفسي واحد لكل العائلة، أي لكل المؤسسة الزوجية، لهذا فنجاح الزواج أمر مستحيل تقريبا.

أحد أصدقائي المقربين تزوج من امرأة بعد قصة حب كبيرة، وهاجر معها إلى بلد أجنبي، لكنه بعد فترة التقى امرأة أخرى وأحبها، ولأنه يحب زوجته فقد أخبرها بعلاقته الجديدة وطلب منها أن تمنحه الوقت ليحسم أمره.

خمس سنوات كاملة قضاها في محاولة حسم أمره، بعلم ومعرفة ومساندة زوجته. في النهاية وبعد انتظار خمس سنوات كاملة حسمت هي أمرها وتركته رغم حبها الشديد له، لتتزوج من آخر وتنجب منه.

الغريب أن العلاقة الثانية انتهت أيضا، مباشرة بعد مغادرة الزوجة، وأصيب صديقي باكتئاب حاد استمر لسنوات، وغادر البلد الذي أقام فيه لسنوات إلى بلد آخر وحياة أخرى متخليا عن وظيفته كأستاذ في إحدى الجامعات المعروفة عالميا ليعمل في الفلاحة وتربية الأبقار.

التقيته منذ فترة، سألته إن كان سعيدا فقال “العمل اليدوي يشعرني بالسعادة، وانتظار موسم ولادة الأبقار يمنحني أملا عظيما”.

صديقي، برغم كل التراجيديا والمعاناة التي رافقت زواجه الأول وعلاقته خارج الزواج، كان سعيدا ومتوازنا بين زوجة يحبها وعشيقة يحبها أيضا، وعندما ذهبت الزوجة اختل التوازن وتهاوى كل شيء. كان كمن يمشي عل حبل يمسكه طرفان، فإن ذهب طرف منهما سقط وتلاشى.

أقصد: يجب أن نكون رحيمين، نحن البشر ببعضنا، فلا نقسو على من لا يجد توازنه إلا بين حياتين، أو شخصين، أو عالمين، أو وجهتين، أو ثقافتين، أو مرحلتين، أو شقين في قلبه أو في فكره، والرحمة لا تعني بالضرورة القبول وإنما التفهم الذي تستوجبه الطبيعة الإنسانية، لأن الإنسان ليس آلة تبرمج وفق رغباتنا، ولأن السعاة ليست عملية حسابية دقيقة، يسهل حلها وبلوغها.

في أغلب الأحيان السعداء هم الذين لا يجدون الحل، ولا يفكون اللغز، ولا يبلغون النهاية من كل شيء.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

21