ما وراء الجزيرة

الاثنين 2017/07/10

حين انطلقت قناة الجزيرة القطرية كانت حدثا غير مسبوق واستثنائيا. لم ينتبه الكثيرون يومها إلى أن نجاحات تلك القناة كانت في الأساس مبنية على استعارة تجربة الـ”بي بي سي” العربية. وهو تصرف ذكي كان من الممكن أن يكون رائدا لولا المزاج الإخواني الذي كان يومها في بداية طغيانه إثر الانقلاب العائلي.

ما فعلته الجزيرة أنها كانت مضللة في وعدها “الرأي والرأي الآخر”. كان هناك الكثير من العراك وهو ما شكل مصدر إثارة بالنسبة لشعوب مولعة بالخصومات التي لا تبحث عن تسويات تقوم على المنطق. ما حدث أن الصراخ كان مفيدا لكي يتم إخفاء الحقيقة.

لقد نشأت الجزيرة على أساس تقني هش. وهو ما دفعها إلى استلهام حرفتها من الشارع. وهو ما شكل عنصر جذب بالنسبة للمشاهدين العرب الذين وجدوا لهم حضورا لافتا على شاشة التلفزيون.

غير أن الجزيرة والحق يُقال كانت واضحة في خطها الإخواني، مخلصة له. وهو الخط الذي انفتحت من خلاله على جهاز الاستخبارات الأميركية من خلال مديرها السابق وضاح خنفر المقرب من حركة حماس. خنفر كان وسيطا بين ذلك الجهاز والجماهير العربية التي تتشوق إلى معرفة الحقيقة. أي حقيقة تلك؟

كان الولع بصناعة الخبر قد انزلق بالجزيرة إلى تلفيق وقائع بعينها لتكون مرجعية لأخبارها التي تتسق مع توجهاتها المتطرفة. ولم تكن الجزيرة في ذلك مستقلة عن مشروع القيادة القطرية. وهو ما يعني أن القناة التلفزيونية التي سعت إلى إيهام الآخرين بوجود مسافة تفصل بينها وبين تلك القيادة هي في حقيقتها صوت قطر الأكثر تطرفا.

الجزيرة التي وهبت منصاتها للمتطرفين والمتشددين بذريعة حرية التعبير تدهورت شعبيتها مع الوقت، وانخفضت القناعة بمصداقيتها بعد أن ظهرت على حقيقتها إثر الهزيمة المدوية التي تعرض لها الإخوان في مصر.

قناة الرأي والرأي الآخر لم تكن مهنية في حيادها يوما ما. حماستها لثورات الربيع العربي كانت مسمومة بمواد مستلهمة من المشروع الإخواني الهادف إلى الاستفادة من الفوضى من أجل القفز إلى السلطة. رهان الجزيرة هو ذاته رهان دولة قطر.

وهو ما بدا واضحا في دفاع الجزيرة المستميت عما سمته بشرعية بقاء محمد مرسي في الحكم بمصر. وهو عينه الموقف الذي استندت إليه الدوحة في محاولتها معاقبة مصر اقتصاديا من خلال سحب وديعتها المصرفية.

لم تعتبر قطر ما حدث في مصر شأنا مصريا داخليا، ولم تتعامل باحترام مع إرادة الشعب المصري. وكانت الجزيرة هي صوت ذلك السلوك الشاذ. وإذا كان من حق قطر أن تكون لها نافذتها الفضائية، فليس من حقها أن تضع تلك النافذة في خدمة جماعة قررت أن تفتك بالشعوب التي لم تخضع لمشروعها الظلامي.

ليست الجزيرة قناة تنوير كما يُشاع. ذلك تزوير لما تتبناه القناة من دعوة لشعبوية جاهلة عنوانها الشعوب ولكن السلطة الإخوانية هي جوهرها. فالجزيرة هي قناة الإخوان في قطر. لذلك من الظلم مقارنتها بقنوات أخرى تتبنى وجهات نظر الدول التي تمولها.

كما أن هناك الكثير من الخداع في الحديث الذي يركز على حرية التعبير في دفاعه عن الجزيرة. فحرية التعبير يجب أن تكون مضمونة لمَن يؤمن بها. أما جماعة الإخوان وسواها من الجماعات الدينية المتشددة فلا علاقة لها بتلك المسألة، لا من قريب ولا من بعيد.

لا تؤمن جماعة الإخوان بالحرية ولا بحقوق الإنسان ولا باستقلاله ولا بكرامته، كما أنها لا تؤمن بالعلم ولا بالحداثة ولا بالعصر ولا بالاختلاف ولا بالعدالة ولا بالمعارضة، ومَن يزعم أنه لا يعرف ذلك فإنه إما جاهل أو له مآرب إخوانية خفية. ولو لم تكن الجزيرة إخوانية النزعة والمحتوى لما وضعتها الدول العربية في قائمة المحظورات التي شملت كل ما يمت إلى الإرهاب بصلة.

كاتب عراقي

8