ما وراء حائط الـ"فيسبوك"

الأربعاء 2015/04/08

دخل عالمنا فجأة، وصرنا منه ما بين حذر متوجس أو متردد في الدخول، وبين متحمس وآخر رافض. ولكن مثله مثل كل شيء حديث يثبت جدارته أو عدم جدواه بمرور الوقت، كان لا بد للفيسبوك أن يجد مستقره في النهاية ليغدو جزءا مهما في حياة الكثيرين منا، إذا لم يكن معظمنا، (كما حدث مع ظهور السيارة والتلفزيون والهاتف المحمول..الخ)، حتى تحول شيئا فشيئا إلى إدمان صار لا بد من استحداث طرائق ناجعة للعلاج منه، ومن ظهور منظرين وباحثين ومختصين في الشأن الفيسبوكي، وصار ربما لزاما أن تصدر بشأنه تعليمات وقواعد للاستخدام الصحيح وقوانين تشرح التعامل معه وتفصّل فوائده ومضاره على الحياة والصحة النفسية والاجتماعية.

وعلى الرغم من أن ذلك لم يحدث حتى الآن، أو أنه حدث عبر محاولات فردية خجولة، إلا أن ما نتج عن هذا العالم من أدب وشعر وفن، ومن كتاب وروائيين وحتى سياسيين، وأيضا من ثورات وانهيارات لأنظمة دكتاتورية ومن ترويج لثقافات عنف أو تطرف، جعل منه عالما تجاوز كلمة الافتراض ليغدو وطنا حقيقيا بديلا للأوطان المستلبة أو غير المستقرة، وغدا منبرا ثقافيا واجتماعيا وسياسيا ودينيا يعكس الكثير من الكبت الاجتماعي والنفسي والثقافي الذي تعاني منه مجتمعاتنا. وعدا عن هذا وذاك فقد صار حديقة عامة أو ملاذا آمنا يلتقي فيه العشاق والمحرومون والوحيدون. وصار لزاما علينا أن نعترف بأنه عالم مليء زاخر بكل شيء.

يحدثنا الكاتب محمد موسى في مقال له عن فيلم تسجيلي للمخرجة البلجيكية “نيسكيا بيكس”، عنوانه “ما وراء الجدران”، تكشف فيه بحميمية عن موقع فيسبوك في حياتها، وكيف أنه “لم يعد موقعا للتواصل فحسب، بل تعداه ليصبح مرآة للذات ومُختبرا نفسيّا، كما تحوّل حائطه إلى ساحة صراع وملجأ للذين يبحثون عن الحب والاعتراف والخلاص، في زمن يكثر فيه الأصدقاء الافتراضيون ويتناقص الأصدقاء الحقيقيون، فيتحول الـ”لايك” من شخص لا نعرفه إلى لمسة حنونة والتعليق إلى تواصل نادر في حياة أصبحت وحدتها لا تطاق”.

وقد كتب عن هذا العالم الكثيرون، وصدر أكثر من كتاب عربي بين رواية وقصص ومجاميع شعرية. أذكر منها رواية “فيرجوالية” للروائي العراقي سعد سعيد، الذي تناول فيها بحرفية عالية العلاقة والصراع بين الإنسان الحي النابض وبين الآلة الذكية الجامدة. وقد اعتمد فيها بشكل كامل على الحوار (الدردشة أو الجات الفيسبوكي). فكان من أوائل الأعمال الأدبية العربية التي تتناول هذا العالم بهذا العمق.

ومنها أيضا كتاب “معشر الفسابكة” للشاعر اللبناني “رامي الأمين”، الذي هو أشبه بتجربة شخصية ولكنها مكتوبة بطريقة كتابة المنشور أو التعليقات الفيسبوكية. وسواهما الكثير.

فكيف تحول هذا العالم الذي أدمنه معظمنا إلى وطن آو إلى صديق حميم لا غنى لنا عنه؟ كيف صارت حياة بعضنا مشدودة بخيوط خفية تسحب انتباهنا إليه بوعي أو دون وعي، حتى ليشعر أحدنا أنه ضائع تائه الخطوة إذ يفقد الاتصال به أو ينقطع عنه؟!

والسؤال الأهم: هل يمكن لمن أدمنه فعلا أن يتوقف لحظة ويقرر أن يبرمج علاقته به، فيأخذ منها المفيد ويطرح عنها الزائف ويحاول أن يولي حياته الواقعية اهتماما أكبر من الفيسبوك؟

صباحكم افتراض جميل وحياة أجمل.

21