ما وراء رماد المليار القطري بالخرطوم

الأربعاء 2014/04/23

يبدو أن النظام الحاكم في السودان يحتاج إلى رافعة أكبر وأقوى من المليار القطري الذي لم يؤثّر على الدولار الذي واصل هرولته أمام الجنيه السوداني وكأن شيئا لم يكن، ما جعل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعانيها السودانيون تبقى على ما هي عليه.

فالشعب السوداني لم يطربه رنين المليار بسبب اعتقاده المسبق أن الخزينة السودانية قد لا يصلها منه شيء حتى ولو كان المبلغ وديعة، وقد سخر ناشطو المعارضة السودانية من تلك المنحة المفاجئة التي جاءت في وقت تدور فيه العديد من علامات الاستفهام حول المانح الذي يعاني حصارا خانقا بسبب سياساته المرتبطة بالتنظيم الإخواني المتأسلم، وهو ما أفرز عدّة قراءات أهمها الاعتقاد أن المبلغ المعلن عنه ليس سوى صفقة أرادت بها قطر استئجار مأوى لحلفائها الذين باتت إقامتهم بها مرهونة بمعضلات أكبر من قوة احتمالها، غير أن الحكومة السودانية ليست في وضع يسمح لها بإيواء هذه القنابل البشرية الحارقة، ففي نهاية الثمانينات إبان فترة التمكين، كانت الحكومة متماسكة وتستطيع التّصرّف بمفردها غير عابئة بالنتائج ولا بالمعارضة، لأن المعارضة الوحيدة التي كانت تقر بها في ذلك الوقت، هي المعارضة المسلحة التي كان يقودها الراحل قرنق والتي انتهت بمأساة ذهاب وطن بكامله، ولكنها الآن بعد هذا العمر المديد الذي شربت فيه من ذات كأس الانقسامات الذي جرّعته لبقية القوى السياسية المعارضة، لم تعد قادرة على اتخاذ قرار بهذه الخطورة، فليست عمليا هي وحدها التي تحكم وتتحكم، فضعف القوى السياسية المعارضة سلميا في الداخل، لا يعني موتها أو عجزها عن الاحتجاج بوحشية أكبر من طاقات احتمال المؤتمر الوطني الضعيف، خاصة بعدما ذاقت أهوال الجماعات المتأسلمة لأكثر من ربع قرن، وأيضا بعدما انكوت بمثل هذا الإيواء المزعوم في التسعينات ما جعل الثمن المدفوع لا يزال مستمر الأقساط حتى اللحظة.

والقوى التي ترفع السلاح في وجه الحكومة، وتتحكم في مساحات مختلفة من أرض الدولة، لن تسكت أيضا، إضافة للموقف المصري الذي لن يقبل دون شك استضافة عناصر إرهابية في دولة لا يفصل بين حدودها معها فاصل معيق، ما يعني أنها ستكون أسهل المراكز للملمة شتات الطرف الإخواني الذي يخوض معها حالة حرب حقيقية .

القراءة الثانية لرافعة المليار العديمة البريق، كانت تتمثل في أن الرقم قد يكون وهما تم ترتيبه للاستهلاك الإعلامي وشغل الساحة عن حربها الحادة مع الحكومة، أو حتى شغل المُعلن لساحته المشترطة عليه إبعاد حرائق الإخوان عن الخليج، ليكسب مزيدا من الوقت يحاول من خلاله التدليل على سعيه «الجاد» إلى حل المشكلة، حتى ولو كان الثمن أن يرمي بتلك الجمرات الإخوانية الإرهابية الحارقة على هشيم لا يصعب امتداده لمصر في ظل وجود قبائل حدودية مشتركة، ووجود إخواني بين تلك القبائل، أو أن يكون الأمر حقيقيا، ولكنه لم يؤثّر في الحياة العامة، ونقرأ من الاحتمالين حرص الحكومة القطرية على نفخ الروح في حكومة المؤتمر الوطني كلما أشرفت على الفناء.

وبعيدا عن الرافعة القطرية فإن الرافعة الأقوى في يد الحكومة هي رافعة الحوار الوطني رغم ما عليه من ملاحظات، فالحوار الوطني هو المخرج الوحيد الذي تملكه البلاد للخروج من سقوطها الطويل، فالحرب التي لم تتوقف منذ ما قبل استقلال البلاد عام 1956، ظلت تستمد وقودها من عدم جدية الأطراف المتنازعة التي توارثت ثقافة النزاع، فجرح التخلّف والحروب يلزمه كيّ المصالحة الوطنية كي يتوقف النزيف المادي والبشري والمعنوي، وأطراف الصراع مسلحة كانت أو سلمية، حاكمة كانت أو محكومة، مسؤولة عن كل ما جرى ومسؤولة عن مستقبل البلاد.

فالجلوس لطاولة الحوار الوطني دون شروط مسبقة هو العامل الأهم في نجاحه، شريطة أن يجلس كل جالس بنيّة الاتفاق لا فرض الرأي وإقصاء الآخر، فالسودان ما عادت تحتمل أكثر مما احتملت، غير أن المصالحة الوطنية يجب أن تمتد فيها استعراضات صدق نوايا السلطة الحاكمة بإلغاء قانون الأمن وقانون الصحافة والمطبوعات، وهما يشكلان العقبة في سبيل التحوّل السلس الذي ترتفع فيه أصوات الإعمار بدلا عن صوت الرصاص، فمرحلة البناء تحتاج إلى الكثير من الوقت. وإضاعة أكثر مما ضاع في تدبير المؤامرات، وتكبير الأكوام والجلوس بيد بيضاء ممدودة في العلن، وأخرى حمراء قانية تطعن في الظهر، لن يفيد القضية السودانية بل يعقدها أكثر، ومن الصعب أن تتخلى الحكومة أو المعارضة التي قبلت التفاوض، عن تلك النزعة الأنانية التي ترسّخت في تركيبة الشخصية السياسية السودانية والقاضية دائما بالنظر بعين واحدة، ومحاولة إيصال فكرة الفرد دون استعداد لمجرد التفكير في معرفة الفكر الآخر.

فالحوار دائما بين كل القوى والحكومات يكون أحاديا كحوار الطرشان، فهل ستتنازل الحكومة، وأحزاب المعارضة عن هذه العادة المتأصلة، وتستوعب مقتضيات المرحلة ليبدأ الجميع مما يجمعهم من أرضيات مشتركة، بدل إضاعة الوقت في ملف يلحق الملفات السابقة التي لم تصمد أبدا ما جعلها تتناسخ بكمّ مذهل، وهل سيلحق المعارضون الرافضون بقاطرة المصالحة التي أضحت ضرورة ملحة أم أن جميع الأطراف تخطط لهدوء يسبق عاصفة جديدة؟


كاتب سوداني

9