ما وراء عقول المتشككين المؤمنين بالمؤامرة الخفية

المتآمرون يتمتعون بقدرات غير عادية؛ فهم قادرون على إدارة شؤون العالم، وإثارة الحروب، ونشر الأمراض.
الأحد 2019/04/21
عقول تدور في فلك المؤامرة

لندن – يطرح روب بروزرتن أستاذ علم النفس بكلية جولد سميث للدراسات النفسية بجامعة لندن في كتابه “العقول المتشككة: لماذا نؤمن بنظريات المؤامرة”، التفسيرات النفسية والأسباب التي تجعل من بعض الناس أكثر قابلية لتصديق نظرية المؤامرة، خاصة عندما يصيبهم شعور من الغضب والتهميش، وتنطبق هذه الحالة على نسبة كبيرة جدا من الشباب العربي.

واتسم بحث الدكتور بروزرتن بالحياد، إذ سعى لتوصيف موضوع هذه النظريات وملامحها وأسبابها، دون الخوض في المسائل المتعلقة بمدى خطأ أو صحة أي منها. واعتمد اعتمادا كبيرا على نتائج التجارب والأبحاث التي أجراها هو أو زملاؤه في هذا المجال.

وطرح بداية تعريف نظرية المؤامرة قائلا إنها الاعتقاد بأن وراء الأحداث الكبيرة، عادة، أيادي خفية تديرها، ورفض التفسير الرسمي للحدث؛ ولها عدة ملامح أساسية، منها أن المتآمرين يتسمون عند أصحاب هذه النظرية، بمستوى غير عادي من الشر؛ فهم يبيدون الآلاف، ويستعبدون الناس دون أدنى شفقة. ويتمتع المتآمرون بقدرات غير عادية؛ فهم قادرون على إدارة شؤون العالم، وإثارة الحروب، ونشر الأمراض.

ولا تقوم هذه النظريات على البراهين القوية، ولكنها تعتمد على اصطياد أو رصد عدد من المشاهدات المنفردة، أو الأحداث الغريبة، أو الثغرات في الروايات أو الأخبار الرسمية التي لا تجد لها تفسيرا، أو الربط بين الخيوط المختلفة داخل واقعة تاريخية ما (مثل الرجل الذي يحمل المظلة أثناء اغتيال كنيدي) لنسج قصة تفسيرية شاملة.

ولا يوجد بالطبع دليل صلب على صحتها، وذلك بالضرورة، وإلا ما كانت، أصلا، نظرية للمؤامرة.

ولا يمكن أيضا إثبات خطئها، في أحوال كثيرة، لأنها قائمة على التشكيك في السلطة نفسها، فإلى أي سلطة سنحتكم؟ فإذا ظهر دليل يتماشى مع النظرية، فسيقول أصحاب النظريات: هذا طبيعي، فهذا ما أخبرناكم به، وإذا ظهر دليل مناقض فسيقولون: هذا أمر متوقع، لأن المتآمرين يزيفون الأدلة لإخفاء المؤامرة، وإذا لم يظهر أي دليل قط، قالوا: طبيعي، فالمتآمرون يلتزمون الحذر.

وتتمثل الدواعي الرئيسية لدراسة نظرية المؤامرة في ارتفاع أعداد المؤمنين بها من الناس، والذين يصدقون واحدة من نظريات المؤامرة أو أكثر، هذا فضلا عن التداعيات السلبية الخطيرة التي قد تترتب على الإيمان بهذه النظريات، مثلما حدث في حالة الذعر التي ضربت الولايات المتحدة وأوروبا من استخدام التحصينات واللقاحات، بعدما ربط أحد الأطباء أدعياء الشهرة بينها وبين الإصابة بمرض “التوحد عند الأطفال”، فتوقف الأهالي عن تطعيم أطفالهم، مما ترتب عليه ظهور الآلاف من حالات الإصابة بالحصبة والكثير من حالات الوفاة.

ويضيف بروزرتن أن عقولنا تميل إلى رؤية الأحداث التي تلم بنا كأنها مقصودة وذات هدف، وليست صدفة، أي أن لدينا ميلا عقليا لاعتبار أن كل الأشياء تحدث لتحقيق غاية وبمقصد معين (لا مجال للصدفة)، كأننا نسقط صفاتنا البشرية على الأشياء من حولنا. وأثبتت التجارب أن الأشخاص الأكثر تأثرا بهذا النوع من انحياز النية هم الأكثر تصديقا لنظريات المؤامرة.

ويشرح الكتاب انحياز التناسب، وهو افتراض أن أي حدث كبير لا بد أن يكون وراءه سبب كبير، وأن أي حدث صغير وراءه حدث صغير، فلا يعقل أن يكون اغتيال كندي وراءه فقط شخص مجنون، وكذلك كل الأحداث المهمة في العالم، كاختفاء الطائرات، والاغتيالات، لا يمكن أن يكون وراءها شيء بسيط أو صدفة.

19