ما وراء عملية "أفيميم"

هل حقق حزب الله وحلفاؤه في السلطة، الهدف الحقيقي من عملية أفيميم؟
السبت 2019/09/07
المحافظة على القواعد

إن مقدرة حزب الله على الإمساك بقواعده الشعبية، الشيعية تحديدا، في لبنان هي مصدر قوته الحقيقي والفعلي، وإن أي تفلت لهذه القواعد يعني حكما تقهقر هذا الحزب وبداية سقوطه. وهنا لن تفيده في شيء تبعيته الأيديولوجية والسياسية لنظام الملالي في طهران، ولا الدعم المالي والسياسي والعسكري الذي يؤمنه له، ولا تبعية بعض الأزلام والقوى الطائفية المحلية من خارج الطائفة كوئام وهاب وطلال أرسلان، ولا حتى مساندته من تيار سياسي حليف كالتيار الوطني الحر، ولو أن هذا التيار بات يمسك فعليا بمفاصل أساسية في الدولة اللبنانية، لأن هذا ما كان ليكون لولا دعم حزب الله له كقوة مذهبية مسلحة.

أما عن أدوات حزب الله للإمساك بقواعده فهي واضحة لكل ذي بصيرة: مادية وأيديولوجية وسياسية.

أما الأداة المادية، وهي الأكثر فعالية، فهي تشكيل دورة اقتصادية كاملة مستقلة عن الدورة الاقتصادية الوطنية يستفيد منها محازبو حزب الله وعناصره ومؤيدوه. هي دورة اقتصادية محلية مستقلة عن الدورة الاقتصادية اللبنانية ولو أنها تابعة بشكل عضوي للنظام الإيراني الذي طالما رفد الحزب ومؤسساته المختلفة بالتمويل اللازم، كما أنها تشغل خارجيا شبكة علاقات مالية واسعة تمتد من أميركا اللاتينية إلى أفريقيا إلى أوروبا، وترتبط بحزب الله وتغذي مؤسساته التجارية والخيرية والتربوية والإعلامية والعسكرية التي تؤمن عملا للآلاف من المنتسبين والمؤيدين في ظل اتساع البطالة على الصعيد الوطني.

تشتمل الأداة المادية أيضا على ما يؤمنه حزب الله لأعضائه ومؤيديه من حصانة لا يتمتع بها أي مواطن لبناني أمام السلطات الأمنية والقضائية. فحتى لو أمسك أي من هؤلاء متلبسا فإن أجهزة الأمن والقضاء تمتنع عن ملاحقته إلا بإذن من الحزب. هذه الميزة التي يتمتع بها أعضاء حزب الله ومؤيدوه أمنت حماية عُرفية للمئات من المطلوبين وللعشرات من عصابات الاتجار بالمخدرات وعصابات التهريب والجريمة التي لا تزال تعمل رغم الخطط الأمنية المتكررة التي أعلن عنها، ورغم عشرات التعديات التي قامت بها تلك العصابات على الجيش اللبناني والقوى الأمنية التي راح ضحيتها جنود وضباط.

الأداة الأيديولوجية التي يمسك بها حزب الله أتباعه فهي بشقيها الديني، حيث يتم التوسع في تكريس التقاليد الشيعية وممارسة الشعائر على نطاق واسع وتغذية التشدد، والسياسي حيث تتم مصادرة مصطلح “المقاومة” وتخوين كل من يميز بين حزب الله وبين المقاومة كفعل تحرير، وتأبيد العداء للغرب وتقديس القادة واعتبار العداء لإسرائيل قضية أبدية رغم ترويج أن نهاية إسرائيل قريبة.

هذه الأداة الأيديولوجية التي يمسك بها حزب الله قواعده هي الغطاء للأداة المادية التي هي الأداة الفعلية التي تجعل القواعد الشعبية الشيعية في لبنان أكثر التصاقا به. ما يعني أن تآكل الأداة المادية قد يكون كافيا لإبطال مفاعيل الأداة الأيديولوجية.

وعمليا، فإن الأداة المادية بدأت بالتآكل. فالحصار المضروب على إيران، وبالتالي التدهور الاقتصادي الكبير الذي تشهده، ظهرت مفاعيله في نقص التمويل الإيراني لحزب الله وهو شريان حيوي أساسي للدورة الاقتصادية المستقلة محليا التي تغذيه. كما أن العقوبات التي لاحقت الخلايا الخارجية الداعمة بدأت تظهر مفاعيلها في نقص حاد في تمويل المؤسسات التابعة له.

من هنا كان نداء حسن نصرالله للمؤيدين لـ”المقاومة” بضرورة مد يد العون بالتبرعات المالية لمؤسساتها كي تستمر في عملها. وحيث أن البلاد باتت في أزمة اقتصادية خانقة، وحيث أن نظام ائتلاف المافيات المسيطر الذي يتزعمه حزب الله اليوم يقدم حلولا غير مجدية لهذه الأزمات، فإن البطالة التي يعاني منها اللبنانيون ستطال القواعد الشعبية لحزب الله، مضافا إليها كم من الضرائب وارتفاع في الأسعار وتهديد للعملة الوطنية وتراجع في الخدمات والتأمينات الاجتماعية. كل تلك الضغوط التي تقوم بها الحكومة اللبنانية بمشاركة من حزب الله وحلفائه لن تجعل المنخرطين في الدورة الاقتصادية التابعة لحزب الله بمعزل عن كل تلك التأثيرات والضغوطات. وبالتالي فإن خشية حزب الله من انفراط قواعده الشعبية الشيعية تحديدا بدأت تتزايد. فكيف إذا أضيف إلى ذلك صمت الحزب “المقاوم” أمام الضربات الإسرائيلية التي توسعت في سوريا وامتدت إلى لبنان وتحديدا قلب الضاحية الجنوبية مركز سيطرة الحزب؟

وكون حزب الله وحلفاؤه باتوا مسيطرين على الدولة اللبنانية، فإنه ليس من مصلحته، خصوصا في ظل الواقع الراهن الذي فرضته هذه السيطرة على لبنان وخصوصا لجهة تردي علاقاته الخارجية مع الدول العربية وغير العربية، شن حرب على إسرائيل ربما يعرف كيف يبدأها ولكنه بالتأكيد لا يعرف كيف ينهيها ولا كم الخسائر التي قد تنتج عنها على اللبنانيين كافة وعلى قواعده الشعبية خاصة.

كما أن حكومة بنيامين نتانياهو ليست في وارد شن حرب واسعة على لبنان، وهي قادرة في كل وقت على انتقاء الأهداف وضربها سواء في لبنان أو في سوريا أو حتى في العراق بشكل لا يؤدي إلى حرب واسعة تضرب فرص نتانياهو في الفوز في الانتخابات الوشيكة وبالتالي فرصه في تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة.

من هنا كانت عملية أفيميم، وكان الرد الإسرائيلي عليها بهذه الحدود الضيقة، ومن هنا رأينا الحشد الإعلامي الممانع الذي رافق العملية وتوسع إلى حدود التمادي في المبالغة في التحليل والتضخيم، في حين كان الهدف الحقيقي منها الذي أراده حزب الله، إعادة شد العصب والإمساك بالقواعد الشعبية التي عليها في ظل ارتفاع منسوب تسليط الضوء على الصراع مع إسرائيل، أن تنسى غائلة الواقع الاقتصادي والمعيشي وأن تنشدَّ إلى “مقاومة” لم تنس الصراع الرئيسي مع الكيان المحتل.

وللمصادفة، أن تنعقد في اليوم التالي لعملية أفيميم، أي الاثنين الماضي، في قصر بعبدا جلسة موسعة لأركان النظام اللبناني لدراسة وإقرار ورقة اقتصادية تهدف إلى معالجة الوضع المالي للخزينة على حساب المواطنين وبزيادة الضغوط المعيشية عليهم.

فهل حقق حزب الله وحلفاؤه في السلطة، الذين أقروا له حق الرد “المدروس” على عملية الضاحية، الهدف الحقيقي من عملية أفيميم؟ هذا ما سنعرفه من خلال رد الشارع على تمادي السلطة في سياساتها الاقتصادية المدمرة في وقت قريب عند إعداد ودراسة موازنة سنة 2020 إذا ما جرت الرياح بما تشتهي سفن الحكومة اللبنانية.

9