ما ورثه الكاتب القصصي مصطفى تاج الدين عن أبيه

مصطفى تاج الدين قاص سوري حاصل على العديد من الجوائز الأدبية في مجال القصة، أهمها جائزة الشارقة للإبداع العربي على مستوى العالم العربي -الدورة الخامسة عشرة- عن مجموعته القصصية الصادرة عن دار نون 4 للنشر والطباعة والتوزيع.
السبت 2015/05/02
البشر أدوات خاضعة لشروط الطبيعة

يبدأ القاص مصطفى تاج الدين مجموعته القصصية “قبو رطب لثلاثة رسامين” بالإهداء المثير إلى والده الكاتب السوري المعروف تاج الدين الموسى، مبينا فيه إرثه من أبيه الكاتب، فكانت القصة هي أهم إرث حمله مصطفى في جعبته عبر مجاهل الحياة، فأبدع فيها لأنه ضمنها ما كان يكنُّه لوالده ليكمل مسيرته الإبداعية.

الكتاب من القطع المتوسط، قصص المجموعة تقع في 142 صفحة احتوت على 12 قصة تنوعت عناوينها بتنوع المضامين في طرح الأفكار والرؤى. عناوين القصص: أسباب المشاكل- أكثر المساءات سعادة في حياة النادلة الشابة- التاريخ الحديث للمعاطف- القصص الخالدة- تمثال من ثلج- حارس السينما- حياة في الضباب- شيء ما لا يموت- صوت- ضجر الشياطين- قبو رطب لثلاثة رسامين- موت الخوف.

القصص المتنوّعة بمضامينها لم تترك المجال للقارىء ليفلت من الأسلوب الذي تفرَّد به في السرد القصصي والمزيج بين الوجداني (الجواني) الذي له علاقة بحيوات أولئك البشر وتداعيات أحداث حياتهم، وبين السرد الساخر الذي كان نتيجة مواقف استطاع القاص تنميطها ضمن إطار رؤاه الواضحة.

والملفت في أسلوب مصطفى السردي، هو تلك المواءمة بين الحدث والمضمون والشخصية المحورية وعلاقتها الوثيقة بالأمكنة غير الافتراضية، أمكنته واقعية كما هي قصصه، ففي قصة “حياة في الضباب” يتبدّى ذلك جليا للقارىء، حيث المكان العادي لبيئة عادية بعيدة عن الأجواء المخملية (في الشارع شاهدت أطفال الحي يلعبون بالكرة…) (هذا هو سعر القصص في جرائدنا المحلية…) بإمكاننا قياس بيئة كل قصة على بيئة قصة واحدة، فهو لم يخرج عن إطار الواقعي، اليومي، لفئات من الناس المهمشين لا تجد لذاتها فسحة من الزمن أو موطئ قدم ليبرز كأحد الكائنات الهامة.

شخوصه بشر حقيقيون من لحم ودم، تكاد تلمسهم وتشعر بالحرارة تسري في شرايينك، إنهم أبناء الواقع تماهوا مع المحيط وبيئتهم بصورة اندماجية، فأصبحوا بمحض القدر جزءا واحدا لا ينفصلون عن واقعهم، الذي كان له الدور الأكبر في صقل تجاربهم وتوجهاتهم، رغم تلك الواقعية التي برزت في الكتاب إلا انه استعان بشخوص افتراضيين، من كائنات أخرى غير بشرية (الذبابة – الفأر) لدعم قصصه الساخرة -الحالمة- الواهمة- الواقعية.

ربما هي لعبة القاص لإيصال فكرة مفادها أن للطبيعة شروطا، وما البشر إلا أدوات خاضعة لشرط الطبيعة على أن كل الكائنات والمخلوقات الموجودة لها ذات الحيوات، ولكن بطرق متباينة أو مختلفة، ففي قصة “أسباب المشاكل” كانت الذبابة هي محور القصة التي تناغم مقتلها على يد الشاب مع مضمون القصة التي كتبها، فهل أراد تاج الدين من مقتل تلك الذبابة في غمرة مشكلة بينه وبين شريكته، تتبع سيرة الذبابة والنهاية التي آلت إليها، على أنها نهاية كل التعساء أو كل بني البشر، وأنّ الكلّ مجرد أدوات تستخدمها الحياة لتستمر.

وفي القصة الأهم التي عنون القاص مجموعته بها “قبو رطب لثلاثة رسامين” أيضا استعان بشخصية افتراضية شاركت الأبطال حكايتهم، الفأر الذي كان شاهدا على صراع البشر فيما بينهم، على من سيتصدر الحياة بالإنجاز العظيم ورسومات اللوحات الثلاثة.

وفي النهاية هي التي ستحسم الأمر وتخرج إلى النور بمحض إرادتها ليبقى الفنان أسير عزلته ورطوبة القبو العاتم، سيعلوه الغبار على مر الزمن، ليقدم القارئ شخصــية الفنــان كنــموذج للبشر المهـمَّشين.

قصص مصطفى تاج الدين ماهي إلا إرهاصات حادة -يومية- جوانية لأنماط من البشر مثلنا، يشبهوننا في الألم والمعاناة وكل الحالات الإنسانية، هم في بعض الأحايين أصدق من البشر الواقعيين، لأنَّ الكاتب استطاع بكل سلاسة استحضار الواقع، لتذكير العالم بأناس مهمشين يقتاتون على أوجاعهم، بينما هم على حافة الحياة، فأظهرهم تارة أبطالا للأحداث وتارة أخرى كانوا مجرد أرقام امتلأ بها العالم لتستمر الحياة.

17