ما يؤهلنا لنصبح كتابا

السبت 2016/04/02

هنالك فارقٌ بين أن نقرأ لنتثقف وتزداد معارفنا عن هذا الكون الذي قُذِفنا فيه، دون أن تكون لنا يدٌ في ذلك الانقذاف، وبين أن نتجهّز وفيما نحن نقرأ، كي نُصبح بعضاً من صُنّاع الرأي في هذا الكون، وممن تركوا بصماتهم في زمانيّتِه.

وأن نغدو من أولئك الذين اتخذوا الرؤى الكلّية، والأفكار، والصُوَر، واتخذوا بالتالي مِن اللغة ذاتِها، سواء أكانت نغماتٍ أو ألواناً أو كلمات، سكناً لهم ولأرواحهم، يعني أن نغدو مثلهم، فنتخذ مما أبدعناه في قلب اللغة، ما ظَهَرَ منها وما تَحَجَّبَ، خيمةً تَخُصّنا وحدنا، وتصبح مع الأيام أثراً يَدُلُّ علينا، وعلى أننا مررنا ذات يومٍ فوق أرض البشر، وكنّا منهم، وتلك شهادتنا على ذلك.

وفي الخيار الثاني، وهو الخيار الذي سيؤهلنا، ولكن دون ضماناتٍ قطعيّة ، لأنْ نصبح كُتاباً وشعراء وفنّانين، تتضاعف أعباء القراءة، ويتضاعف المطلوبُ منها، مرّتين أو ثلاث مرّات، لا لأنها صعبة، بل لأنها تصير مع الأيام أسهل مِنْ أن تفي بأذواقنا.

ومع ذلك التضاعف المتّسع أفقيّاً وشاقوليّاً للقراءة، يقلّ رجاؤنا، وتتزايد الأسئلة التي توجّهها أنفسنا إلى أنفسنا، ساعة تتلبسُنا الكتابةُ: أين أنا؟ وما الذي يفعلُه واحدٌ مثلي، في هذا المسعى، الذي اخترقته ذات أيام، وذات كُتُب، عقول الكبار فوق أرض الإنسان؛ أرضِ الشقاء والمحدوديّة.

ومع هذا الخيار الذي نتمنّى في لحظات إحباطنا، وما أكثرها، في اللحظات التي يتلجلج فيها القولُ داخل قولنا، ويأبى أن يفصح تمام الإفصاح عما نشتهيه، عن المثال الذي لا يُدرك، ونتمنّى، ساعتها، لو أن خيارنا في أن نكون مبدعين، لكُنّا كما غيرنا من البشر، قد قنعنا بذلك الذي قيل، باعتباره أبدع ما قيل.

ومعه، أيْ مع خيار أن تقرأ من أجل أن يأتي الوقت كي تكتب، سوف لن تعود القراءة مجرد تمضيةً للوقت، أو رغبةً بالاطلاع على شيء بعينه. ستصبح، إذاً، همّاً، وقلقاً، وقراءةً لا في الكتب وحدها، بل للحيطان، ولحبّات التراب، ولما تساقط فوقها من أوراق، ستصبح تفرُّساً دائماً، في وجوه ما، ومَنْ حولنا. ستصبح عيشاً في الماضي والحاضر، وفي ما ينتظر البشر من أوقات.

إنه التفرّس الذي لا بُدّ منه في عمق الأشياء، وفي الأسباب الكامنة وراء كل ما قد حدث فيه تسبّب. ومعه، ومع القراءة التي تتلمس درجات السُلّم وصولاً إلى الدرجات العليا، إلى الفضاء الذي انكشف ذات يوم للقلّة من أبناء البشر. وهناك، في المضافات التي أقاموها لنا، سنقرأهم، ونبدأ بالتتلمذ على أياديهم.

ولسوف يختلُّ جانبٌ كبيرٌ من ذوقنا، وكيفيّةِ رؤيتنا للأشياء إنْ نحن اعتقدنا أن ثمة مسطرة سحرية تُقاس من خلالها إبداعات أولئك الكتاب الكبار. فلماذا لا نجرّب أن نمضي معهم كلّهم، أو أكثريتهم.

وبعونٍ منهم، بعونٍ من الكتّاب والفنانين والفلاسفة والمؤرخين، ممن يصعب ذِكرُ بعضهم، كي لا يغطّي ذلك على البعض الآخر، من هؤلاء الذين خفّفوا علينا الشقاء البشري، ومجّدوا الإنسان الذي في دواخلنا، وانتصروا للجمال الذي فيه، بعونٍ منهم، وبنزاعٍ أخويٍّ معهم، سيجري شحنُ دواخلنا بالجوهريّ.

في القراءة التي تكون وتتواصل، من أجل أن نكون ونتواصل، وربما نجحنا وربما لا، فيها، وبعونٍ منها، ستمتدُّ إلى الورقة والقلم، يدنا الخجولة، اليد التي لن يكتب لسعيها النجاح إنْ لم تغادر ذلك الخجل، وستترك شهادتنا عن هذه الحياة، عن الفرصة التي مُنحت لنا في العيش.

إنهما بشكل أدقّ فرصتان. فرصة أن نعيش في المسكن الزمني لأحلامنا وخيبات أملنا وحيدين، أو أن نعيشها بصحبة الكبار، وبصحبة ما تركوه لنا مِنْ عزاء، كان ابتداؤها مع رواية ” البؤساء” التي كان اختيارها بمثابة رغبة في اكتناه لغز هذه الحياة، وما يزال ذلك الاكتناه متواصلا حتى الآن !

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

15