ما يبقى من بونفوا

الخميس 2017/01/26

اقترب الشاعر والناقد الفرنسي إيف بونفوا (1923-2016) من السرياليين عقب الحرب، قبل أن يدير لهم ظهره حين رفض التوقيع على بيان “القطيعة الافتتاحية” الذي اقترحته جماعة أندري بروتون.

بدل البحث عن سبيل تحاول عبثا تبديد حدود حياتنا الفانية، آثر بونفوا البحث عن صوت يصالح بين ما أسماه “نوعا من المادية العفوية” و”الحرص الفطري للتسامي”. ما دفعه إلى الانغماس في دراسة الفلسفة، ومعاشرة القدامى والمحدثين من أفلوطين وكيركيغارد إلى أرتو وجورج باطاي.

عرف عن بونفوا معارضته لأفلاطون وثنائية الحس والمعقول، إذ كان يقدّم على “المفهوم” ما يسميه “شعرية الحضور” التي حدد فيها ارتيابه من المثالية في شتى أشكالها، إذ يقول: “لا وجود في رأيي لواقع من جهة وما فوق الواقع من جهة ثانية، أحدهما يهيكله العلم ويبالغ في تقديره، والثاني يفيض عليه بطبائعه اللامعقولة ولا يدرَك إلا بالعين ‘المتوحشة‘. فهذا معناه الاستهانة بالطاولة التي أكتب عليها، وحجَر الوهاد الذي ليس له شكل محدد، لصالح طير القيثارة، بل ثمة وجود أمام المدلولات العابرة للفكر المفهومي”.

بعد قطيعته مع السرياليين، اقترب من شعراء مدرسة روشفور وشاطرهم ميلهم إلى النثرية وعلاقتهم القليلة الزخرف بالواقع، ولكن رفضه البحث الجمالي الخالص كان يقرّبه من سان جون بيرس ورونيه شار. والأرجح أن عائلته الشعرية كانت ضمن مجلة “الزائل” التي جُعلت للتصدي لاتجاه الشعر النصي والتجريبي الذي ظهر بظهور مجلات الطليعة.

فقد كان بونفوا ضدّ تلك التيارات التي حادت بالشعر عن أصوله، وكان لا يني ينتقد تأثير البنيوية في الإنتاج الأدبي نقدا وإبداعا، ويعيب عليها زعمها موت المؤلف، وادعاءها الواهم أن الأثر الأدبي مستقل عن مبدعه، حيث قال “وليس أدل على ذلك من كوننا نقول ‘أنا‘ عند الحديث، يظل ذلك حقيقة داخل أي ظرف أو مكان، رغم الأعذار الكاذبة أو غياب الكائن”. وقال أيضا: “ونحن ندرس كيف يعيش الدال وينساق بلا نهاية داخل العلامات، من الواجب في رأيي أن نبحث كيف يمكن لهذا الدافع الذي هو نحن أن يتأكد في انسياق الكلمات كأصل ومبتدأ”.

كان بونفوا مفتونا بالزمن، لا بالمرحلة، بنى مدونة مفتوحة، ذات مداخل متعددة، تتعمق داخلها العبارة بالفكر، رغم أنه كان يرتاب من المفهوم لكونه يبعدنا عن الجوهر، فالمفهوم إذ يريد تبيّن خبراتنا، يصنع لها حدودا ويحرمنا من حضور العالم. كان يقول “مهمة الشاعر أن يدلّنا إلى شجرة، قبل أن تقول لنا قوّتنا العاقلة إنها شجرة”.

كاتب من تونس

15