ما يتركه الأجداد للأحفاد

لا شك أن التعاون مع المحتل حملٌ ثقيلٌ على الأبناء والأحفاد، يتحملون وزره وهم لا ذنب لهم فيه، وإن التضحية في الدفاع عن الوطن، شرف يرثه الأبناء والأحفاد عن أسلافهم.
السبت 2020/01/04
بعض الأجداد لا يترك سوى العار (لوحة للفنان بسيم الريس)

منذ أن قرأت مقالة الكاتب الأستاذ حسن الوزاني المنشورة في “العرب” بعنوان “حين يمنح الكاتب قلبه للمحتل” وتحديداً عند المعلومة التي أوردها في مقالته آنفة الذكر، قائلا: إن جريدة السعادة التي كانت تشكّل لسان الاستعمار الفرنسي بالمغرب وتواصَلَ عملها في تجميل الاحتلال، لتتوقف مع لحظة استقلال البلد، والأمر الطريف أن المجموعة الورقية الكاملة من الجريدة الموجودة بالمكتبة الوطنية للملكة المغربية، لم تسلم من أيدي أحفاد كتابها، الذين اعتادوا اجتزاء كل المواد التي قد تُذَكِّر القارئ بما اقترفه الأجداد.

أقول، منذ أن قرأت هذه المقالة وأنا أتوقف، عند فكرة ما يتركه الأجداد للأحفاد أو الآباء للأبناء، فهم في مثل الحالة التي مثلها كتّاب جريدة السعادة، يرثون الإحراج والذم والاستنكار، وهم، أي الأبناء والأحفاد، لا يد لهم في ما اقترف أسلافهم، لكنهم، يظلون يعانون في مواجهة نظرة الآخرين إلى أولئك الأسلاف، بل أن بعضهم وبسبب تلك المعاناة التي لا ذنب لهم في أسبابها، يندفعون إلى متبنيات فكرية وسلوكية، ومواقف تتسم بكثير من التطرف، وأذكر أنني خلال ما اصطلح على وصفها بالعشرية السوداء في الجزائر، وما رافقها من عنف خطير واستثنائي، كنت أحاول البحث عن أسباب ذلك العنف، فأقرأ وأسأل، باحثاً عن تلك الأسباب، وإذ سألت يوماً أحد المثقفين الجزائريين، وهو غير بعيد عن الممارسة السياسية، قال لي: إن كثيرين من المتطرفين الذين يقترفون القتل الجماعي، هم من أبناء المتعاونين مع سلطات الاحتلال الفرنسي، ممن أقاموا بعد الاستقلال في فرنسا، وإذ أذكر هذه المعلومة، لا أتبنّاها ولا أرفضها، لكنها تأتي في سياق الموضوع الذي أتناوله وأكتب عنه.

غير أن هذه المعلومة تعيدني إلى أيام الدراسة، فقد زاملت طالباً، عرف بالذكاء والاجتهاد والتهذيب، وكانت ثقافته العامة أكبر من عمره ومن المرحلة الدراسية التي كنّا فيها، غير أنه كان منعزلاً عن الحياة الطلابية ونشاطاتها الرياضية والثقافية والاجتماعية، ثم عرفت في ما بعد سبب عزلته، إذ كان والده يشغل وظيفة هامشية في شرطة الأمن أيامذاك، ولم يكن ذلك الرجل مؤذياً أو معروفاً، ولكن الإحساس السلبي للابن بسبب انتساب والده الوظيفي، كان وراء عزلته، وفي مرحلة من مراحل المتغيرات السياسية، انتسب إلى جماعة أيديولوجية، وسرعان ما لمع في صفوفها وتبوأ موقعا بارزاً في تنظيماتها، لكن ما كان يلفت نظري من سلوكه في تلك المرحلة، أنه كان شديد التطرف في ما يتبنّى من أفكار وفي علاقاته مع الآخر أيضاً، ويبدو لي إن ذلك الإحساس السلبي تجاه وظيفة والده كان وراء تطرفه الذي أشرت إليه من قبل.

ليس ما يتركه الأجداد للأحفاد أو الآباء للأبناء، يتعلق بما هو سلبي فقط، بل ينصرف إلى ما هو إيجابي من إرث الأجداد والآباء، وليس دائماً يكون الإرث الإيجابي للأجداد والآباء يأتي بأثر إيجابي، لكنه يظل حاضرا في حياة الأبناء والأحفاد.

حين صدر كتاب حنا بطاطو عن تاريخ العراق المعاصر بترجمة عفيف الرزاز، زارني أحد معارفي، وفاجأني بطلب أحد أجزاء الكتاب المذكور، ولأنني أعرف عدم اهتمامه بأي باب من أبواب المعرفة، فهو يعيش ليومه ويسخر من أي اهتمام، سوى اهتماماته المادية، فقلت له: ماذا تفعل بهذا الكتاب، هل تريد أن تتاجر به؟ فأجابني: في الصفحة ‘كذا من الجزء كذا‘ يتحدث المؤلف عن دور جدي في ثورة العشرين، وأريد أن أصور ما كتبه، وهذا الشخص الذي يسخر من أي موقف يتسم بالجدية، صار يبحث عن موقف جده لأنه مما يفتخر به الأحفاد من مواقف الأجداد، ومن المؤكد لو كان موقف جده سلبياً لفعل ما فعله أحفاد كتاب جريدة السعادة من المغاربة.

وما دمت قد أشرت إلى أمر يتعلق بثورة العشرين في العراق، فما يلاحظ المرء بشأنها، أن أبناء القبائل والأسر التي شارك أسلافها في الثورة، ما زالوا يتابعون كل ما يقال ويكتب عنها، وما زالوا يحفظون ما قيل فيها من شعر وما ردد من أهازيج ويتذكرون الشهداء والمقاتلين والخطباء وتتوارث الأجيال في هذه القبائل والأسر، بندقية أو سيفاً أو سلاحاً يدوياً تقليدياً، كان قد حمله أحد المقاتلين في إحدى معارك ثورة العشرين ويضعونه في واجهات مضائفهم وصالات وغرف الاستقبال في بيوتهم، بل ما زالوا يتوارثون صورة أو رسالة أو أي أثر مكتوب يتعلق بأحداث ثورة العشرين، بينما نجد أبناء وأحفاد الذين تقاعسوا عن الالتحاق بالثوار والوقوف معهم، أو الذين تعاونوا مع الاحتلال البريطاني، يدفعون بعيداً كل ما يذكر بمواقف أسلافهم.

وما ينبغي أن يذكر على هذا الصعيد، أن بعض الأسر ممن تعاون أسلافهم مع المحتلين البريطانيين، وبخاصة في المدن العريقة، ظلوا يعانون من عزلة اجتماعية ويقاطعهم الناس في المناسبات العامة وشمات هذه الحالة في التعامل مع المتعاونين مع الاحتلال، بعض رجال الدين وبعض الكتاب والشعراء أيضاً.

وأشير هنا إلى أن هذا الموقف، يكاد يتكرر مع أعداء وطنهم في جميع المراحل التاريخية وعند جميع الأمم والشعوب، يُحتقرون من قبل الذين تعاونوا معهم وكانوا في خدمتهم، وما أن تنتهي الحاجة إليهم، ينبذون ويطردون حتى من خدمتهم.

وعلى سبيل المثال، أذكر ما كان من نابليون مع خائن نمساوي تعاون مع القوات الفرنسية التي احتلت وطنه، حيث اتفق مع الفرنسيين أن يمنح مبلغاً من المال مقابل ما يقدم من خدمات، وحين نجح جيش نابليون في احتلال النمسا، جاء ذلك الخائن ليتسلم المال من نابليون، غير أن نابليون رمى له صرة النقود على الأرض، وحين قال لنابليون: يشرفني يا سيدي العظيم أن أصافح قائداً عظيماً مثلك، رد عليه نابليون بالقول: أما أنا فلا يشرفني أن أصافح خائنا لوطنه مثلك، وحين غادر الجاسوس بصق عليه، وعلق قائلاً: مثل الخائن لوطنه، كمثل السارق من مال أبيه ليطعم اللصوص، فلا أبوه يسامحه ولا اللصوص يشكرونه.

وبعد كل الذي ذكرنا، أعود ثانية إلى ما بدأت به مقالتي، عما يتركه الأجداد للأحفاد أو الآباء للأبناء، إذ لا شك أن التعاون مع المحتل حملٌ ثقيلٌ على الأبناء والأحفاد، يتحملون وزره وهم لا ذنب لهم فيه، وإن التضحية في الدفاع عن الوطن، شرف يرثه الأبناء والأحفاد عن أسلافهم، عليهم مواصلة الشرف الذي ورثوه.

14