ما يتعرض له العرب يشبه ما تعرض له حنبعل

مع ما يشهده العالم من عنف متزايد يوما فآخر وخاصة العنف المبني على أساس عرقي وديني، بات من الضروري على المثقف أن يكون في الصف الأول للتصدي لمنتجات الفكر المتطرف القاتلة، حيث مقاومة العنف تبدأ ضرورة من الفعل الثقافي. “العرب” كان لها لقاء مع الباحث والمترجم العراقي وليد الكبسي في حديث حول الواقع العربي وعلاقته بالغرب.
الاثنين 2017/03/06
العداوة والحرب لا تخلقان إلا الشياطين

علاوة على كونه كاتبا وباحثا سياسيا، يصدر وليد الكبيسي العراقي الأصل والنرويجي الجنسية، مجلة “المسلمون المتنورون”. إذ يعتبر أحد المدافعين الشرسين عن الفكر التنويري، والداعين إليه، وقد نشر أول كتاب له سنة 1996 My faith, your myth: Islam meets Norwegian everyday وهو كتاب تجميع لمقالاته الداعية إلى حوار الحضارات في طروحات تنويرية، كما قدم الكبيسي ترجمات عديدة لمجموعة من الشعراء من العربية إلى النرويجية.

اللغة العربية

يقول الكبيسي إن التطرف ليس ذنب المسلمين وحدهم، نسأله هنا كيف يشرح ذلك؟ ليجيبنا أن “التطرف حالة خلقها الإسلاميون بالدعوة إلى التفسير السياسي، ونقل الإسلام من زمن الرسول إلى عصرنا. فالإسلام لكل زمان ومكان، يعني أن الإسلام يمكن تأويله وتفسيره ليناسب كل المجتمعات، بينما فهم المتطرفون أن الإسلام الذي مارسه المسلمون في صحراء الجزيرة يجب نقله ميكانيكيا إلى أوروبا، فآمنوا بالجهاد العنفي الذي خلق حركات إرهابية. حيث يؤمن هؤلاء بحجر المرأة وعزلها، وهذا ما أدى إلى الحجاب وإشكالياته، بينما لم يفرض الحجاب الإسلامي ولا توجد آية تسمى آية الحجاب بمعنى اللباس الإسلامي، وكان الرسول يأخذ النساء معه لمداواة الجرحى بمعنى أنه ليس عندنا مشكل دين وإنما مشكل تدين”.

أثارت محاضرة الكبيسي “العربية كلغة عالمية ثالثة” زوبعة من ردود الأفعال، خاصة حول رأيه المتعلق بضرورة رفع القداسة عن اللغة العربية، يقول الكاتب “لقد دعوت إلى تقديس اللغة العربية، بالتعامل معها على أنها ليست تابوت أموات أو قبر مولى. وبالعكس أردت تقديس العربية بالنظر إليها كعامل حضاري حاسم في وحدة شعوبنا وبلداننا، ومنحها الحرية والقابلية للتطور والازدهار، ومواكبة الزمن. أنا طالبت وأطالب بالتعامل مع هذه اللغة كما تعامل معها النص القرآني، الذي طوّرها، وفجّر إبداعها، كما بسّطها، وأغناها، فجعلها لغة حضارة بعدما كانت لغة بدو”.

تقديس اللغة العربية يكون بالتعامل معها على أنها ليست تابوت أموات أو قبر مولى بل كعامل حضاري حاسم

قام الكبيسي بترجمات مهمة من العربية وإليها، ومازال يعمل على بعضها، نسأله هنا عن التأخر العربي الخطير في ميدان الترجمة، وعن العقبات التي تصادفه كمترجم.

ينظر الكبيسي إلى الوضع من خلال معرفة وتقييم مرحلتنا الثقافية، فكما يقول، نحن في تدهور علمي وحضاري، وشعوبنا ممزقة ومسلوبة الإرادة، ويخيم عليها الجهل والظلام، أما الترجمة فتمثل مرحلة إرهاص حضاري.

يقول “عصر التنوير الإسلامي في القرن الثالث هجري طبع بطابع الانفتاح، بترجمة الإرث الفلسفي اليوناني وحكمة الرومان ومدنيتهم. فالدولة العربية تأسست حين تم تعريب الدواوين في العراق من الفارسية إلى العربية، وفي الشام من الرومانية. أي ترجموا العلوم السياسية من الفارسية والرومانية، لكننا بتنا الآن نعيش انحطاطا علميا وثقافيا. ولو نرى اليوم مثلا دولة النرويج التي تعداد سكانها أربعة ملايين نسمة، فسنجدها تترجم من اللغات الأخرى أكثر بكثير مما تترجم من اللغات العالمية إلى العربية ونحن أكثر من 300 مليون ممن يقرأون العربية”.

وحول السبيل لتحسين صورة العرب في الغرب، الذي تستمتع بعض مكوناته بشيطنة الآخر والتخويف منه، يتساءل الكبيسي عن أيّ غرب نتحدث، الغرب السياسي، أم الغرب الثقافي؟

ويضيف “أنا أنظر إلى الغرب الثقافي على أنه في نزاع أبدي مع الغرب السياسي. الغرب الثقافي ممثلا في منظمات عديدة مثل منظمة العفو الدولية ‘الإمنستي‘، منظمة أطباء بلا حدود ومنظمات حقوق الإنسان، وفي أسماء كتاب مؤثرين مثل فولتير وهنريك إبسن، وفي التنوير والثورات الديمقراطية، إلى آخره. هذا الغرب لا يشيطننا بل يدافع عنا كبشر بغض النظر عن الاختلافات الثقافية والإثنية. أما الغرب السياسي فهو الرأسمالية والشركات متعددة الجنسيات، والتنازع الاقتصادي والمنافسة على الأسواق، ومصالح الدول”.

المستقبل مشرق

يلفت الكاتب إلى أن الغرب حين يحاربنا يشيطننا كما نفعل نحن، لأن العداوة والحرب لا تخلقان إلا الشياطين. لذا يشعر أن نمطا من الشيطنة يمارسه الغرب لقرون، حين حاربت روما هانيبال وهو قائد سام من شمال أفريقيا اسمه حنبعل، وحني خادم أو عبدبعل هو الله أي اسم حنبعل هو عبدالله، كجزء من حرب روما ضد هانيبال كان الرومانيون يضخمون خطر هانيبال حتى صارت الأمهات اللاتي يدعون أبناءهن للعودة إلى البيت، من اللعب في الشوارع بقولهن: هانيبال على بوابات روما. أي أنهم يرضعون أبنائهم الخوف من العدو. عايشنا ذلك في حرب الغرب ضد العراق حيث ضخم الإعلام الغربي خطر صدام وصواريخه الكيمياوية بأنها يمكنها إبادة بريطانيا. فانتفض الغرب لتحطيم العراق، ولكن ظهر أن كل ما خلقه الإعلام هو مجموعة أكاذيب ومبالغات”.

ومن ناحية أخرى، نسأل الكاتب عن العوامل الرئيسية التي انبثق عنها جحيم الطائفية في الشرق الأوسط، ليقول الكبيسي “الجحيم الطائفي سببه غياب السلطة المركزية وانفلات الهوية الوطنية.

والذي حدث هو مشروع متبادل شارك به العرب، واستقبلته أوروبا برد فعل معروف تاريخيا”.

ويلفت الكبيسي إلى أن الأنظمة العربية مثلا في العراق وسوريا هي غير ديمقراطية، حيث وحدت هذه البلدان بالعنف المتبادل، بينها وبين الشعب. والعنف يولّد العنف.

ومن جهة أخرى، يشير الباحث إلى أن الغرب يتحسس من أي نهضة علمية في الشرق الأوسط. فأيام محمد علي في مصر حدثت نهضة في مصر حيث كاد محمد علي أن يحكم الدولة العثمانية. لذا اتحدت كل من بريطانيا وفرنسا من أجل محاربة نهضة محمد علي، بينما في نفس الوقت حدثت نهضة اليابان فلم يجيشوا الجيوش ضدها بل تعاملوا معها ضمن التنافس الاقتصادي.

يقول الكبيسي “رغم كل شيء فإن المستقبل مشرق بعد مراحل من الآلام والكوارث. أوروبا مرت بهذه المرحلة واختفت فيها طوائف ومجموعات إثنية ودينية وانقرضت بسبب الطائفية. أدرك الأوروبيون أن العنف والتطرف سيجعلانهم ينقرضون فأحلوا التسامح والتنوير والثورات الديمقراطية. وهذا ما سيحدث لدينا أكيد ولو بعد مدة ليست بالقصيرة ».

15