ما يجري في هذا العالم الآن قد حدث منذ سنين

ربما تضيف الجوائز أو الاهتمام النقدي إلى منجز الكاتب وتطور من مشروعه الأدبي، لكن الكثيرين هم الكتاب والمبدعون الذين لم يحظوا بجوائز ولم يتقدموا لها كما أغفلتهم أقلام النقاد المشغولة بمتطلبات “سوق الإبداع”، فكانوا منعزلين، لكنهم كانوا من كبار الكتاب وبقيت أسماؤهم منارات شاهقة في عالم الأدب. “العرب” كسّرت عزلة الروائي الفلسطيني قاسم توفيق والتقته للحديث عن مغامرة الكتابة وروايته الأخيرة “رحلة مُضنية إلى قلبها”.
الثلاثاء 2016/04/05
رواياتي اخترقت الجدران التي شيدتها لنفسي

يذكر الروائي الفلسطيني الأردني قاسم توفيق، أن أمه كانت تقول عنه إنه ومنذ بدأ يفك الحرف كان يهتمّ بالألوان، فيكتب الواجب المطلوب منه ملوّنا ليعطي للكلمات دلالة أعمق مما تعطيه الحروف، فلو حدث أن كتب كلمة “حب” أو “أم”، فإنه يكتبها بلون فاتح شفاف أزرق كالسماء أو ليلك مثل الورد.

وفي حوارنا معه اليوم يؤكد قاسم توفيق أنه في الكتابة وفي هذا القهر والعناء يجد نفسه، ما جعله في كلّ مرة يخرج منتصرا على واقعه الحقيقيّ، وصار يفهم بأنه لا يكتب سوى لنفسه، لهذا كان دائما متصالحا مع ذاته وغير منكسر أمام الشهرة أو الانتشار أو حتى باللهاث خلف جائزة أو وسام، كما يقول.

رحلة ومغامرة

يقدم الروائي قاسم توفيق روايته التي سترى النور قريبا، والتي اختار لها عنوان “رحلة مُضنية إلى قلبها”، قائلا “هي واحدة من مغامراتي لكنها مغامرة أكثر جرأة، فعندما بدأت حيوات هذه الرواية تتسلل إلى حياتي حاولت أن أتجاهلها وأن أُبعدها عني، فلم يعد لديّ من الجلد ما يساعدني على العبور في حيوات جديدة غريبة لم تلدهم أمهات ولا عرفوا الدنيا بعد. لقد اكتفيت من حمل هموم تنتظرني أن أصنعها.

ما عشته من تجارب وأحداث ومن عرفتهم من كائنات لم يكن من الممكن أن يكونوا إلا إن أردت أنا ذلك، ولا تكون إرادتي إلا بإرادتهم، هم في استلابي من حياتي والزج بي في حياتهم. فاض بي وأُثقل كاهلي لكثرة ما عانيت من هذه الناس التي صارت تدفعني للهرب وللعزلة حتى عن عالمي الخاص بشخوصه وحوادثه. وما كان من أمر هذه الرواية أنها اقتحمت عليّ عزلتي مثلما فعلت رواية “صخب” و”حانة فوق التراب” بي من قبلها، اخترقت هذه الروايات الثلاث الجدران التي شيّدتها بيني وبين البشر وكسّرت ملاذي الأخير للخروج من هذا العالم المأزوم”.

ويضيف قاسم “جاءت هذه الرواية لتكون المغامرة الجديدة في مقارعة العمر، ليس هذا وحسب بل إنها دفعت بي لأن أخوض غمار علاقة غير ناجزة مع كائن صغير طيب جميل أراد أن يبحث عن وجوده بوساطتي، ففي الوقت الذي كان فيه هذا الصغير -شخصية الرواية المحورية- يحتفل بعيد ميلاده الرابع والعشرين عندما التقينا عند ناصية الكلمة الأولى من الرواية كنت قد بلغت الستين”.

التابوهات هي صناعة الأنظمة لكي تدجن الناس وتفرض عليهم الرضوخ، وهي تأليه لوجودها حتى تظل تحكم

ويتابع صاحب “مقدمات لزمن الحرب” “حين بدأت هذه الرواية أحسست بالخوف والرهبة فكيف لي أن أعايش وأن أجادل وأن أشرح نفسا جريئة تريد أن ترى أين تقبع في هذا الكون وهي في عمر تجاوزته أنا منذ عقود؟ كنت خائفا من أن أسقط في بئر وعيي الذاتي ولا أجتاز نبع وعي هذا الشاب فأخون نصي”.

“رحلة مُضنية إلى قلبها” هي استكمال لمشروع توفيق الروائي والحياتي، وهي رحلة شاب اعتدى عليه “لاوعيه” ودفعه لأن يهجر حياته المريحة المترفة والعادية وأن يبحث عن الحياة. قد يكون للأحداث التي تلاحقت مع هذا الشاب قبل أن يصحو ويهزم القلق الوجودي الذي دفعه للبحث، ولو مؤقتا ومن باب الترف، عن مخرج من لا جدوى الحياة الذي تلبســه فجــأة مثلما يحـدث مع كل البشر.

ويشير صاحب “آن لنا أن نفرح”، إلى أنه منذ البداية وقبل أن أبدأ في مشروع هذه الرواية كنت منشغلا بالبحث في ما آل إليه حال الشاب العربي المعاصر في غمرة الأحداث الغرائبية التي يعيشها عالمنا العربي، الآن على الرغم من إيمانه بأن ما يجري في هذا العالم الشقي، من وجهة نظره، لا يختلف كثيرا عما جرى في ذات هذا العالم المعتلّ منذ سنين أو منذ عقود أو حتى منذ قرون، مع بعض الاختلاف في كمّ الدم المتراكم.

كشف الحقيقة

ننتقل بالحديث مع الروائي قاسم توفيق، ليحكي لنا قصته مع روايته “حانة فوق التراب”، الصادرة في العام الماضي عن “دار الأهلية للنشر” في عمان، والتي قال عنها في لقاء تلفزي مؤخرا إنه وضع فيها “خبرة العمر.. خبرة الوعي أو خبرة الفلسفة وخبرة فهم الحياة وكيفية التعامل معها”. سائلين إياه عن الجديد الذي حققه فيها عما سبق وتناوله في أعماله القصصية والروائية السابقة، ليجيبنا الكاتب “ما أؤمن به أن العقل البشري سوف يرضخ بالقبول أو بالقسر للتطور، فما قلته خلال هذا اللقاء التلفزي كان منجز وعي تلك اللحظة، وما يحدث أن خبرة الوعي والفلسفة وفهم الحياة عندي الآن -وأنا أجيبك عن السؤال ذاته- اختلفت وتغيّرت تطورا، لأني إنسان متوافق مع نظرية قبول هذا التطور والإيمان بضرورته وسيرورته.

العقل البشري يرضخ بالقبول أو بالقسر للتطور

أما ما كان من أمر “حانة فوق التراب” فقد كانت بحق هي لحظة الإضاءة العميقة والجريئة في مواجهة الوجود والانكشاف على مخزون حياتي كاملة. ما يحدث عند الناس مع تقدم العمر أنهم ينكصون ويرتدون إلى ذواتهم الضيقة الصغيرة، حتى وكأنهم يعودون إلى الطفولة الأولى، فيبدأون في مراجعة حياتهم والخوف يتملّكهم من قرب النهايات، ما حدث معي أني حتى مع هذه الأحاسيس اكتشفت إيماني وإخلاصي للمبادئ التي تشكلتُ عليها، وآمنتُ بها، وناضلتُ من أجلها، وعندما كتبت هذه الرواية كنت أرغب في أن أظلّ متصالحا مع نفسي فلم أكتفِ بمواجهة ذاتي الطفلة بهذه الحقيقة بل قررت وحسمت أمري بأن أعلّي الصوت”.

ويرى الروائي قاسم توفيق أن “فتح المجال لخلق تابوهات هو إعلان استبدادي وقمعي لإغلاق باب التفكير، وهو حكم لا يصدر عن المجتمعات أو الثقافات بل يصدر عن القوى الحاكمة والمتحكمة، وهذا بطبيعة الحال نفي لأبسط قواعد الديمقراطية”.

يقول توفيق “لقد اتكأت على ما قرأت من تاريخنا وتاريخ البشرية وعرفت بأنّ التابوهات هي صناعة الأنظمة لكي تدجّن الناس وتفرض عليهم الرضوخ، ولتأليه وجودها حتى تظل تحكم، كتبت بجرأة عن تابوه الجنس وأخذت قوتي من تراثنا العربي ومن فضائح الفضائيات العربية التي تحطّ من قيمة الجنس. أنا لا أكتب لأشوه وعي القارئ ولا لأتحدى أحدا، إنما لأكشف ما أرى أنه الحقيقة”.

وبالتطرق إلى مسألة النقد، وهل نالت تجربته في الكتابة حظها من المتابعة النقدية في بلاده؟ يقول صاحب “الشندغة” “الحق أقول أجل، لقد نالت أعمالي الأخيرة حظها من المتابعة والدراسة والبحث. وبالصدق ذاته أقول أنني لم ألحظ تأثيرا للنقد في حدود وعيي لتطوير مشروعي السردي، في مخزوني اللاواعي من الممكن أن النقد قد أضاف شيئا لمشروعي وثقافتي مثل كلّ ما أقرأه أو أعيشه، أما أن أتأثر بقصدية وبوعي بما أقرأه، فهذا أمر أفر غالبا منه وأتجنبه، أخاف من التكلّف والصنعة، لذلك أنا أحزن على الناقد عندما يحاول أن يكتب شعرا أو رواية إذ أراه مقيدا بحبال النظريات التي تعلمها ويعرفها”.

15