ما يحدث يدعو للتفاؤل

بوادر التغيير بدأت بالظهور، والربيع العربي، الذي انطلق من تونس، وشكك الكثير بمصداقيته، إلى درجة أن البعض اعتبره مؤامرة كونية ضد العرب، أورق وقريبا يطرح ثماره.
الثلاثاء 2019/11/19
قطار التغيير

انتهاء المحاصصة الطائفية في لبنان، وسقوط حكم رجال الدين في إيران والعراق. اليمن يعود إلى الحضن الخليجي، وسوريا تشهد مصالحة وطنية شاملة.

مشاريع استثمارية ضخمة لدول الخليج في مصر والسودان، وحل سياسي للصراع في ليبيا. عودة العلاقات بين دول الاتحاد المغاربي تعيد الدفء إليها، وتمهد لانتعاشة اقتصادية.

ليست هذه نبوءة عراف، بل واقع يمكن تلمسه، إن نحن قرأنا جيدا بين السطور.

بوادر التغيير بدأت بالظهور، والربيع العربي، الذي انطلق من تونس، وشكك الكثير بمصداقيته، إلى درجة أن البعض اعتبره مؤامرة كونية ضد العرب، أوْرق وقريبا يطرح ثماره.

لمعرفة المستقبل، تجب قراءة الماضي، ليس الماضي البعيد، بل الماضي القريب… الماضي الذي اعتلى فيه الحكم طبقة العسكر؛ “الضباط الأحرار” في مصر وفي سوريا والجزائر والعراق والسودان وليبيا.

منتشين بطرد المستعمر الغربي، منح العسكر أنفسهم شرعية، فاقت شرعية رجال الدين، ومعهم تحوّلت الأوطان إلى إقطاعيات عائلية، وأصبحت للرتبة العسكرية قداسة تفوق قداسة الرموز الدينية.

ما حدث في أوروبا، بعد الحرب العالمية الأولى، يدعم ذلك؛ رغم أن، بينيتو موسوليني، لم يكن عسكري النشأة، إلا أنه تخلّق بأخلاق العسكر، وبعد خدمة عامين في الجيش زحف بتظاهرة كبرى نحو روما، للاستيلاء على الحكم.

شارك مع موسوليني في الزحف أربعون ألفا من المضللين، الذين يحملون هوية الحزب الذي أسسه، ينعمون بالامتيازات، وسط أوضاع اقتصادية متردية، وذلك بعد أن نجح في جعل حزبه سلطة بديلة عن الدولة المغيبة، وإطلاق حملة دعائية حرّك من خلالها الغرائز المتطرفة لعدد كبير من العاطلين عن العمل، من جنود مسرّحين.

كان موسوليني عسكريا بالهواية، وظهر في كثير من الصور الرسمية بثياب الضباط موشحا بالأوسمة.

وفي ألمانيا شغل، أدولف هتلر، منصب المستشار بين عامي 1933 و1945، وهو واحد من المحاربين القدامى الذين تقلدوا الأوسمة، تقديرا لجهودهم في الحرب العالمية الأولى.

وفي إسبانيا حكم الجنرال فرانكو على مدى 36 عاما بدءا من عام 1936، وتسبب بمقتل نصف مليون إسباني. اليونان عانت أيضا من حكم العسكر الذين استولوا على الحكم عام 1967 في الانقلاب العسكري، واستمروا في الحكم إلى عام 1974.

الخيط الذي ربط بين العسكر جميعا هو، كما ادّعوا، أنهم “ضباط أحرار” حصّنوا أنفسهم بالشعارات القومية والوطنية.

بعد الحرب العالمية الثانية استطاعت أوروبا التخلص من سطوتهم، وأعادتهم إلى الثكنات، حيث يجب أن يكونوا، بينما عانت من حكمهم الدول العربية وما زالت.

تاريخ الشعوب مع حكم العسكر أسود. وما ظهور الإسلام السياسي وانتشاره إلا بسبب منهم. وبينما يدّعي الضباط الحق في الحكم، إذ هم من خلّص البلاد من الاستعمار، يرى رجال الدين أنهم الأقرب إلى شرع الله، وبالتالي الأصلح لحكم عباده.

ما يحدث اليوم في العالم العربي هو تصحيح للواقع، الشعب هو صاحب الشرعية الأولى والأخيرة. الشارع العربي يطالب بعودة الشرعية لأصحابها، وعودة العسكر إلى ثكناتهم، وإنهاء كل مظاهر الطائفية.

منذ مئة عام في 1919، ألقى الزعيم المصري سعد زغلول، خطابا قال فيه إن “الدين لله والوطن للجميع”. ويقال إن، مصطفى صادق الرافعي، سبقه إلى استخدام العبارة بثلاث سنوات، خلال عرض مسرحي في القاهرة عام 1916.

وفي كتابه “تاريخ بيروت” ذكر سمير قصير، أن صحيفة “نفير سورية” التي أصدرها بطرس البستاني عام 1860، كان شعارها في أعلى الصحيفة “الدين لله والوطن للجميع”.

كما أن هذه العبارة كانت شعار، سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي عام 1925، والتي جمع حولها المقاتلين من مختلف المناطق السورية على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم.

المحتجون اليوم لم يرفعوا نفس العبارة، ولكنهم تسلحوا بروحها، الوطن ليس تركة لرجال الدين والعسكر يعبثون بها. الوطن للجميع.

8