ما يفعله الطقس بالناس

غالبا ما يورّطنا الطقس في مواقف يصعب الخروج منها كما حدث مع شخصية "مارسو" في رواية "الغريب" لألبير كامو.
الخميس 2019/07/25
تعارف، زواج، حوار حضارات

عادة ما تبدأ أحاديث التعارف بين شاب وفتاة بالتعليق عن الطقس وتنتهي بالزواج والأولاد والذريّة الصالحة.. وربما بأبغض الحلال ومن ثم لعنة اليوم الذي كانت فيه الشمس غائمة جزئيا أو كليا.

غالبا ما يورّطنا الطقس في مواقف يصعب الخروج منها كما حدث مع شخصية “مارسو” في رواية “الغريب” لألبير كامو، ذاك الذي واجه حكما بالإعدام حين أطلق من مسدّسه أربع رصاصات صريحة غير مترددة على من سحب سكينا في وجهه عند شواطئ وهران الجزائرية وأرداه قتيلا.

سأله المدعي العام: لماذا فعلت كل هذا وبمنتهى التفصّد والعدوانيّة، مع أنّك تراه لأول مرّة؟

أجاب: كان ذلك بسبب حرارة الشمس وانعكاس ضوئها على السكين في عيني يا سيدي.

ما قد يبرر لبطل رواية ألبير كامو هذا السلوك الذي يبدو غريبا ومستهجنا هو ما شاهدته في يوم شديد الحر من حوار مقتضب دار بين زبون ونادل في مقهى شعبي وقد أدار محطة الراديو على أغنية “حبيتك بالصيف” لفيروز.

ما يصنعه الطقس بالناس هو ما تفعله رمية النرد في لعبة الطاولة قائلة: هذا قدرك وأنت تصنع مصيرك لأجل البقاء

* الزبون: شغّل المكيّف وغير المحطة فورا، أرجوك.

- النادل: إنها فيروز يا رجل.. كيف لا تحب الاستماع إلى سيدة الحب والرومانسية؟

* الزبون: .. إلا هذه الأغنية بالذات.. أنا في الحر لا أطيق ملابسي فكيف لي أن أحب؟

وبسبب رداءة الطقس وتطرفه نحو البرودة، انتسب الشاعر السوري الراحل محمد الماغوط، في خمسينات القرن الماضي إلى أحد الأحزاب الراديكالية المنغلقة لأنّه وجد في مقرّه مدفأة تحرك الدم الذي كاد يتجمّد في عروقه أثناء شتاء طويل وفقير مثل ليل الجائع.

يكاد المرء يجزم أنّ أغلب ما عرفه تاريخ البشرية من متغيّرات جذرية كان بسبب الطقس الذي يقسو: من الثورة الفرنسية في باريس إلى الثورة البولشيفية في موسكو، من رسومات الفنان الانطباعي الفرنسي بول غوغان لصدور النساء العارية في جزر تاهيتي، إلى رحلة الفنان الكردي عمر حمدي الملقّب بـ”مالفا” بألوانه الحارّة القادمة من الجزيرة السورية والتي حطّت في صالات فيينا الباردة وأدهشت جمهورها.

وبناء على ما تقدم فإن لسائل أن يسأل (وبعيدا عن مسألة الإيمان الديني أو عدمه): هل أنّ ضعف عقيدة وإيمان بلاد الشمال الإسكندنافي، سببه الثلوج التي تجعل بعضهم لا يخاف جهنّم يوم الحساب، بل وربما يتمنّاها أثناء العواصف الثلجية… ممّا جعلهم يقولون في لغتهم “هذا أمر يدفئ صدري” للدلالة على الرضاء والانشراح.أما نحن، سكان النصف الجنوبي من الكرة الأرضية أو المتوسط، فنعبّر بقولنا “هذا شيء يثلج صدري”، وذلك للدلالة على نفس الإحساس. كما أن سكان الشمال يخافون الليل، وحتى القمر، ويشبّهون به كل ما هو موحش وقبيح.. أما نحن فيتغزّل به شعراؤنا ونختاره ظرفا آمنا للبوح ومناسبا للقاءات المتعذّرة في النهارات المزدحمة. لقد جعلناه بلا عيون، وجعلنا النهار بلا آذان (على عكس الحيطان) ثمّ غنّينا “يا ليل يا عين”.

وبسبب قسوة الطقس أيضا يحكى أنّ تقاليد رجال الأسكيمو تقضي بأن يهدي الواحد لضيفه امرأة تدفئ فراشه طيلة فترة الإقامة وتبعد عنه الكآبة التي تسبّبها صحاري الثلج….كذلك يفعل (رجال) بعض القبائل الأفريقية في (أخلاقهم)…وللسبب عينه…! ما يفعله الطقس بالناس جعل القنوات التلفزيونية تبجّل النشرة الجوية وتقدّمها على النشرة الإخبارية والأحداث السياسية التي لا شك أنها تتأثر بكل ما تفعله الشمس برؤوس الملايين من البشر من عسكر وساسة ومواطنين قلقين ومزاجيين.

بسبب رداءة الطقس وتطرفه نحو البرودة، انتسب الشاعر السوري الراحل محمد الماغوط، في خمسينات القرن الماضي إلى أحد الأحزاب الراديكالية المنغلقة لأنّه وجد في مقرّه مدفأة تحرك الدم

ما يصنعه الطقس بالناس هو ما تفعله رمية النرد في لعبة الطاولة قائلة: هذا قدرك وأنت تصنع مصيرك لأجل البقاء على رأس اللعبة أو مغادرتها.

جعلت الشمس، في ظهورها واختفائها، البشرية تفكّر في أساليب التكيّف والتأقلم والمقاومة والاستمرار عبر تاريخها، وهو ما يعرّف اصطلاحا بالذكاء. الطقس جعل الأذكياء يبتدعون المعاطف والقفّازات والمكيفات والشمسيات والبرّادات، كما جعل أصحاب السطوة من الحمقى يسخرون أصحاب النفوس الضعيفة لاصطياد الحيوانات طلبا لجلدها وفروها وريشها أو حتى لمجرد المتعة.. يا لعدوانية الإنسان وغطرسته على سطح هذه “البرتقالة الزرقاء”.

المناخ لم يبق صامتا فهو يتقن الانتقام و”أخذ حقه بيده” فقد عاقبهم على ما اقترفت أيديهم من عبث بمفرداته، ذلك أنّ غضب الطبيعة من غضب الأقدار التي تعاقب كل من لا يحسن التصرّف فيما يشبه لعبة رمية النرد.

أعرف قصّة غريبة لصديقة سوريّة حسناء كانت قد دخلت إلى المصعد وهي تهوّي (تمروح) بجريدة فرنسية وجدتها بالصدفة في بهو الفندق وقالت متذمّرة من حرارة الطقس بلكنة شاميّة مؤنّثة “ولي..! شو في شوب!”…أي ما هذه الحرارة! نظر إليها السائح الفرنسي بابتسامة إعجاب ووافقها القول ظنّا منه أنها تقول كلمة “إيل في شو” بالفرنسية أي “الطقس حار” وهي مصادفة صوتية لغوية بحتة، تؤدي نفس المعنى بالتمام، وعلى سبيل التطابق العشوائي.

تطورت المحادثة بإشارات ونظرات وهنّات لغات، صار الحب والزواج والأولاد وحوار الحضارات.. أنظروا إلى ما يفعله الطقس بالناس وبالشعوب وحكامها وشعرائها أيضا.

21