ما يقوله عقلنا الباطن

الأربعاء 2017/02/01

تحدثنا كتب علم النفس أن عقلنا الباطن (أو اللاوعي) هو المسيطر والمتحكم بما يقارب 99 بالمئة من مجمل أفعالنا وردود أفعالنا وتصرفاتنا وكل ما نقوم به.. يبنما لا يتحكم عقلنا الواعي إلا بسوى ذلك المتبقي (وأعني 1 بالمئة فقط) من المعلومات والبيانات المتاحة له..

وما يتبادر للذهن عند قراءة هذه المعلومة هو ذلك التساؤل الحائر “ما الذي يفعله عقلنا الباطن وكيف يتعامل مع هذه النسبة العالية مما يحدث لنا؟”.. قد تحتاج الإجابة على هذا التساؤل إلى كتب ومجلدات تشرح وتحلل وتأتي بنتائج ومعلومات قد تدهش غير المعنيين بالأمر.. لكننا في المختصر المفيد نستطيع أن نستنتج أن اللاوعي هو المسؤول عن مشاعرنا وتصرفاتنا وعاداتنا وعن نمط حياتنا وطرق التعامل اليومية مع كل شيء حولنا..

ويقول الباحثون إن الإنسان عموما قد يقضي السواد الأعظم من حياته مستسلما لما يمليه عليه عقله الباطن.. الذي يكون قد تنامى وامتلأ عبر التربية والبيئة والتجارب الحياتية والقراءات والمشاهدات والأحداث الجيدة والسيئة التي واجهها على حدّ سواء.. وقد يعمل في أحيان كثيرة بالضدّ من الإنسان نفسه فيكون أشبه بصديق السوء.. وحتى العدو اللدود الأشد خطورة!.. فهو الناقد الأول الذي قد يجلدنا ويعمد إلى اللوم والتقريع وتعزيز الإحباط واليأس.. بدلا من التحريض الإيجابي والنقد البنّاء وإثراء عبارات التشجيع.. فنجد أنفسنا منساقين وراء عباراته الخطيرة المحفورة في دواخلنا عبر الزمن.. من مثل “أنا فاشل!.. لن أستطيع التحمل!.. أعرف نفسي جيدا.. أنا كسول.. أنا قبيح.. أعرف حظي.. كبرت وشخت.. لم أعد أصلح للعمل.. إلخ…” وكلها “نصوص” يكون عقلنا الباطن قد احتفظ بها وأقرّ بأنها حقائق غير قابلة للجدل..

والخبر السيء هو ما يذهب إليه الباحثون بالقول إنه مهما بلغ الإنسان من العلم والمعرفة والحكمة قد لا يستطيع تغيير داخله.. إلا أن الخبر الجيد يوشوشنا أننا إذا استوعبنا وأدركنا بشكل تام وشامل حقيقة ما يحدث في اللاوعي فسنتمكن من تطويع دواخلنا بقرار صارم.. وذلك بالتركيز والتدريب على التأمل وعلى الحوار مع الذات وإعادة تقييم التصرفات والمشاعر وردود الأفعال دون الانسياق وراء “كليشيهات” الداخل غير القابلة للنقاش..

ومن أكثر الطرق الشائعة للتعامل مع اللاوعي وإعادة ترتيبه وتشكيله ليصبح معنا وليس ضدنا هي جلسات التأمل والرياضات الروحية.. وهو ما يذهب إلى اعتناقه الكثير من المعالجين الروحانيين.. ناهيك عن التنويم المغناطيسي وجلسات الأطباء النفسيين والتحليل النفسي وسواها من طرق العلاج..

بيد أن الطريقة الأسهل والأكثر تداولا هي إعادة ترتيب الداخل بإقحام التفاؤل وبترديد كل العبارات الإيجابية الممكنة.. بالأخص تلك التي لم تكن موجودة أصلا فينا.. مثل: أستطيع طبعا.. أنا سعيد.. أنا قوي دائما.. أنا محظوظ.. أنا محبوب..أنا شاب دائما.. وهو ما يستطيع أيّ منا أن يفعله دون الحاجة إلى الاستعانة بأحد.. فإعادة تكرار ذلك بحماس وتصديق وإيمان إنما يعيد تشكيل دواخلنا.. ويصنع منا أشخاصا أكثر سعادة واتزانا.. ومن المعروف أن الدقائق الأكثر تأثيرا في اللاوعي هي تلك التي تسبق ساعات النوم أو تعقب النهوض مباشرة.. وهو ما يقرّه علماء النفس وأخصائيو التنمية البشرية وتطوير الذات..

فلم لا نجرب أن نلقـّن اللاوعي بكل ما نطمح إليه فنتذوق صنيعة أفكارنا؟

صباحكم تفاؤل..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

21