ما ينتظره العراقيون من أشقائهم السعوديين

إن أراد الكاظمي التخلص من الميليشيات الموالية لإيران فهو قادر، أمامه فرصة لطلب العون من السعوديين أشقاء العراق وفق سياقات مدروسة تتزامن مع حملة داخلية شعبية عراقية يتصدرها ثوار أكتوبر.
الثلاثاء 2021/04/06
الفرصة متاحة أمام رئيس الوزراء العراقي لتطبيق سياسة عودة العراق إلى عمقه العربي

معظم العراقيين مع أي خطوة انفراج لاستعادة العراق هويته العربية وعودته لعمقه التاريخي، ما عدا فئة قليلة ممن غُسلت أدمغتهم بالخرافات لقاء أجور لسد متطلبات العيش. لم تعد الشعارات القومية العروبية تقدم حلا لمحنة أهل العراق الذين في نفوسهم غصة تخلّي الأشقاء عنهم في أصعب ظرف مرّ عليهم عبر التاريخ، يتداولون همومهم في ما بينهم، بين الحين والآخر، ليس بقصد التجني على العرب، خاصة السعودية، لكن بشعور مازال حيا داخل نفوسهم بقدرة الأشقاء على إنقاذ ما تبقى بعد ما دمّر مشروع ولاية الفقيه الإيراني جميع مفاصل الحياة العراقية.

من المهم التعاطي مع أي خطوة دبلوماسية إيجابية تحصل بين بغداد والرياض كالزيارات المتبادلة بنظرة واقعية، لا تغش العراقيين الحالمين بعودة العراق لحضنه العربي ولا توهم أهلنا في الخليج بأن النظام القائم في بغداد يمكن المراهنة عليه. وألا ينساق العراقيون وراء التأثيرات اللحظية التي تتركها تلك الخطوات، فهي نشاطات لا يتجاوز تأثيرها حدود الدعاية المؤقتة لرئيس الوزراء العراقي الذي يحاول، كما في سياساته الداخلية، تمضية الوقت المتبقي لمسؤوليته بتخفيف وطأة الكارثة الحقيقية التي يعيشها العراقيون إعلاميا عن طريق طمس تداعياتها، والإيحاء بأن كل شيء يسير بمثالية لا تعكرها سوى بعض السقطات الإعلامية لهذا الفصيل الميليشياوي أو ذاك.

لا شك أن الأشقاء المسؤولين في السعودية لديهم رغبة جدّية في إعانة أشقائهم العراقيين، خاصة ما يمثله النهج التحديثي الواعد لولي العهد الأمير الشاب محمد بن سلمان من فتح مسار جديد للتغيير الحقيقي، والتأثير على حركة العالم الجديد سعوديا وإقليميا وعالميا.

السعوديون يمتلكون إرثا ضخما بتفصيلات وثائقية لمسارات الملف العراقي ومنحنياته، منذ احتلال صدام للكويت عام 1990 وحتى وصوله للحالة المرّة اليوم، أهم منعطف فيه حين وضعت الإدارة الأميركية في عهد بوش الأب وبيل كلينتون يدها على هذا الملف، وطلبت من الرياض الابتعاد عنه حين وفرت الفرص العملية لمستلزمات التغيير من خلال العراقيين المعارضين للنظام بصورة سلمية وقتذاك.

الاستفراد الأميركي الإيراني المشترك المُبرمج بالعراق، خلال فترة الاحتلال العسكري وما بعدها، وفّر الفرص الذهبية لمخطط تفتيت شعب العراق طائفيا، وإدخال قصة الإرهاب السني المتطرف في التعاطي مع المواطنين العراقيين، ليتم عزلهم عن حاضنتهم العربية ونزع أي إمكانية لصمودهم وقدرتهم على تعطيل مشروع الهيمنة الإيرانية الكاملة، خاصة بعد طرد داعش من العراق عام 2017.

السعودية تعرف، بالوثائق، كيف حصل التعاون المشترك بين واشنطن وطهران خلال العشرين سنة الماضية، من خلال الميليشيات المحلية المُدربة عسكريا وعقائديا، التي نمت بسرعة مذهلة خدمتها وسائل إعلام محلية حكومية ثم الجيوش الإلكترونية في إشاعة وتعزيز نظرية الشبح العربي الإرهابي في العراق، الذي ينبغي محاربته وإلصاق تهم الإرهاب ضد المواطنين العراقيين من العرب السنة “أنت سنيّ إذن أنت عميل وهابي سعودي”.

لدى الأشقاء السعوديين ملفات مُحبطة حول الذين كانوا يزورونهم في الرياض مدّعين تمثيلهم لفاجعة السنة في العراق ويطلبون العون المادي الذي يحصلون عليه، لكنهم كانوا مجموعة من الغشاشين والسراق، أغلبهم تحولوا إلى منافقين لقادة نظام إيران، خاصة قاسم سليماني، لقاء تأهيلهم ومنحهم مناصب عالية بالسلطة ومجلس النواب العراقي. اعتقدوا أنهم أذكياء في ازدواجية الارتزاق والولاء ما بين الرياض وطهران، لكنهم مكشوفون من الطرفين السعودي والإيراني وسيلاحقهم خزي خيانة أهلهم وملّتهم.

للأسف كان العراقيون من النشطاء المخلصين الوطنيين بعيدين عن أعين الأشقاء السعوديين، لأنهم متعففون لم يقبلوا أن يوضعوا في خانة رخيصة في قصة الدعم والإسناد، وبذلك خسرت القضية العراقية فرصا كثيرة بغياب الزعامات والنخب الوطنية الحقيقية وانزوائها، هذا الأمر حصل مع الأميركيين الماسكين بالملف العراقي، الذين تجاهلوا هذا الطيف الواسع من المخلصين لقضيتهم، واتجهوا إلى المتخلفين والجهلة الذين تجري في دمائهم نعرات الطائفية والكراهية ونزعات الثأر.

Thumbnail

الآن حصل تجديد مهم في السياسة السعودية في التعاطي مع ملفات العراق وسوريا ولبنان واليمن، وفق مقتضيات مناخ التهدئة واحتمالات التوافق الإيراني الأميركي وصعود مكانة الصين العالمية، فلم تعد معاونة السعودية ودول الخليج للعراقيين تنحصر في واجبات العروبة بل تقع في صميم الأمن الخليجي.

الحقائق والحسابات الإستراتيجية تقول إن أجندة نظام ولي الفقيه الإيراني لن تتوقف عند حدود الهيمنة على العراق ولبنان وسوريا واليمن التي استكملت، وستحظى بتجديد القبول الأميركي وحتى الإسرائيلي للقفز إلى الحلقة الخطيرة المقبلة، وهي تنفيذ مخطط الوصول الإيراني إلى الأراضي السعودية وسواحل البحر الأحمر وجعل كعبة المسلمين في مكة عاصمة الدولة الفارسية تحت العنوان المزيّف حماية الشيعة وإقامة دولتهم.

مثال حادثة طرد السفير السعودي في العراق ثامر السبهان في أغسطس عام 2016 ليس بعيدا عن ذاكرة العراقيين والسعوديين، فقد عُيّن في العراق تطبيقا للنيات الحسنة. تحوّل هذا الدبلوماسي الشاب العروبي إلى إرهابي مجرم بنظر الميليشيات الشيعية الموالية لطهران لأنه انتقدها. أذعن حينها كل من رئيس الوزراء حيدر العبادي وإبراهيم الجعفري وزير الخارجية لقرار الميليشيات بطرده من العراق أو قتله من قبل زعيم أحد الفصائل الميليشياوية، الذي افتخر على شاشات التلفزيون بأنه سيكون وراء قتل السفير.

ما ينتظره العراقيون من أشقائهم السعوديين التفكير بوسائل معاونة العراقيين في الخلاص من هيمنة الميليشيات، بعد انتقالها من مرحلة التحكّم في شؤون العراق إلى تهديد جدّي لأمن دول الخليج في المقدمة السعودية. نشرت وكالة الأسوشيتيد برس قبل أيام تقريرا أفادت فيه بأن واحدا من الصواريخ التي استهدفت قصرا ملكيا في الأراضي السعودية انطلق من داخل حدود العراق. لا شك أن الجانب الأمني السعودي قدم الوثائق للمسؤولين العراقيين خلال زيارتهم الأخيرة.

مركز التفوق الإيراني ليس باستعراضاتهم العسكرية في شوارع طهران أو سواحل الخليج ولا بامتلاكهم نواة القنبلة النووية، بل بنفوذهم الكامل في العراق. وهو نفوذ فاق الاستعمار البريطاني للعراق الذي كان يدير حكوماته عبر المندوب والسفير البريطاني ببغداد لكنه كان معزولا عن شعبه في قواعده وثكناته العسكرية. إنهاء نفوذ ولي الفقيه في العراق عن طريق إنهاء نفوذ ميليشياته المسلحة هو المخرج الوحيد لأزمة الأمن القومي الخليجي قبل هوية العراق العروبية. هذه الحقيقة الجيوسياسية يعرفها نظام طهران ويتصرف وفقها مع وكلائه بعدم السماح لأي بادرة انفتاح نحو العالم العربي الخليجي.

إذا كان رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي جادا في تطبيق سياسة عودة العراق لعمقه العربي، فالفرصة متاحة، رغم الأشهر الستة المتبقية لولايته، بأن يكون جريئا وشجاعا في حماية العراقيين من مخاطر الميليشيات بإبعادها عن الميادين الأمنية والسياسية والاقتصادية وسحب السلاح منها، واتخاذ قرار عدم الحاجة إلى هيئة الحشد الشعبي، وتجاوز خدعة “المقدسات” بوجود الجيش والأجهزة الأمنية الحكومية وتحويل أفرادها إلى تلك الأجهزة. فداعش لم يعد قوة إنما هو عنوان لتبرير بقاء تلك الميليشيات.

إن أراد الكاظمي التخلص من الميليشيات المسلحة الموالية لإيران فهو قادر، أمامه فرصة تاريخية لطلب العون من السعوديين أشقاء العراق، لا نعتقد أنهم يترددون في ذلك ومعهم دول الخليج، وفق سياقات مدروسة تتزامن مع حملة داخلية شعبية عراقية يتصدرها ثوار أكتوبر أصحاب الثورة اليتيمة، وهناك قوى شيعية عراقية وطنية جزء منها في السلطة تتمنى قيام مثل هذه الحملة لإنقاذ العراق من الميليشيات وإعادته لوضعه الطبيعي في الاستقلال والسيادة والهوية، هذه الخطوة الجريئة لا تحتاج إلى تشريع برلماني لأنها جزء من مهمات رئيس الوزراء في الحفاظ على الأمن الوطني العراقي.

حينذاك يكون هناك معنى لعودة العراق لعمقه العربي هذا المبدأ الذي يعرف خطورته النظام الإيراني ووكلاؤه في العراق جيدا.

8