مبادئ أساسية في العقاب

الخميس 2016/01/28

فكرة العقاب موجودة في كل الثقافات، وهي فكرة صحية طالما أن المقصود بها التربية والـتأديب والمعالجة والوقاية، وليس الانتقام والتجريح، وطالما أنها لا تطال شخصية المعاقب وإنما سلوكه، فالمبدأ هو أن نعاقب أحدا ما على سلوكه وليس على شخصيته.

هذه التفرقة مهمة وضرورية، لأن الخلط بينها يجعل الأطفال يعتقدون أثناء تعرضهم للعقاب أنهم أشرار أو مذنبون أو مؤذون، في حين أن القصد من العقاب هو تأديب الطفل على خطأ ارتكبه. وهنا وجب تذكير الطفل باستمرار أننا نحبه ونفخر به في كل حالاته، لكننا لا نحب ما بدر منه، ولا نشعر بالفخر من سلوكه، الذي هو في يده وبإمكانه أن يغيره.

من البديهيات ألا نعاقب طفلا على خطأ أخبرنا به بنفسه، فهذا من شأنه أن يجعله يتردد في إخبارنا في المستقبل بأخطائه، وطالما أنه “اعترف” لا يعاقب، وإنما يشكر على شجاعته وقدرته على تحديد الخطأ، فمجرد معرفته بأن ما قام به خطأ يستوجب الحديث أمر في غاية الأهمية.

الخطأ من وجهة نظرنا ومن وجهة نظر الطفل، أيضا موضوع خلاف، فما نعتبره خطأ قد يراه الطفل حقا، من هنا وجب التنقل إلى عالم الطفل ورؤية الأشياء من زاويته، لا من زاويتنا. تستطيع أن تصف هذا الأمر بأنك تنزل على السلم القياسي إلى عالمه، فما هو ضخم بالنسبة لنا يبدو في الغالب صغيرا له، والعكس صحيح.

لنأخذ الموسيقى مثلا، قد يحتج ولي على أصوات الموسيقى الصاخبة التي لا تنتهي من البيت، في حين يرى الابن أن من حقه أن يستمع للموسيقى. هناك دائما حلول وسط، وعندما نطرح مشكلا على أبنائنا، أو نحتج على سلوك بدر منهم يجب أن ندعوهم إلى التفكير معنا في الحل الذي يرونه مناسبا، ذلك أننا لو فرضنا عليهم حلا بعينه لن يلتزموا به، لكن إذا كان الحل حلهم وهم من يقترحونه فإن التزامهم به يكون أفضل.

بعض الأولياء تهمهم “سلطتهم” على الأبناء، أكثر مما يهتمون بالنتائج الفعلية والحقيقية لفكرة التربية والعقاب، فيفرضون على الأبناء ما يرغبون سماعه، وليس ما يريد الطفل قوله، مع الوقت تتحول العلاقة إلى استجابة ظاهرية لرغبات الولي، وحياة سرية خفية للأبناء. لهذا يجب أن نشجع أبناءنا على قول الحقيقة، لا على ما نريد سماعه. عندما يتحول الطفل إلى حالة إرضاء الولي، الذي يريده أن يكون على هذا النحو أو ذاك، فسيكون المَخرج هو حياة ثانية خفية يقودها وفق رغبته وميولاته، حياة لا نعرف عنها شيئا ولا يمكننا التدخل فيها في الوقت المناسب.

الخطأ مشروع، فلنتذكر هذا، وأبناؤنا من حقهم أن يخطئوا، لأنهم إن لم يفعلوا لن يتعلموا، فلا يجب أن نتحفز لكل صغيرة وكبيرة، فنعاقب بسبب وبلا سبب، المراقبة اللصيقة لأخطاء الطفل والإصرار على العقاب اعتقادا بأن هذا ما يقوم السلوك ليس صحيا، فلنتغاض أحيانا، بل غالبا، عما لا يضر، ونكتفي بعقاب القليل الذي لا بد منه.

العقاب لا يكون بالضرب ولا الذم، ولا الشتم ولا التجاهل ولا الاحتقار ولا العزل ولا المقارنة مع الآخرين ولا التذمر والشكوى، العقاب يكون بالكشف عن خيبتنا من سلوك كان يمكن تفاديه، فنقول مثلا “تعرف كم أحبك وكم أثق بك، لم أتوقع هذا السلوك منك”، أو “يؤلمني أن يصدر هذا عنك، أنت أذكى من أن تقع في هذا الخطأ التافه”.

أخيرا، العقاب يكون دائما لاحقا للفعل ولصيقا به، فنعاقب على ارتكاب الخطأ في حينه وساعته، فإن مر وقت ولم نعاقب، نترك الأمر ولا نعود إليه، لا نعاقب على شيء مضى، ولا نذكر بالأخطاء السابقة، ولا نراكم العقاب. لكل خطأ عقابه الذي يقابله في السن والمحتوى، نتحدث مع الطفل حول وجهة نظرنا، نخبره أننا نجد سلوكه موجبا للعقاب وأننا نفكر في عقاب مناسب، نسأله إن كان يوافق على أنه يستحق العقاب أم أن له وجهة نظر مخالفة، عندما يتفق معنا، ننتقل لمرحلة الفعل، مثال: ثلاث دقائق في الزاوية لابن الثلاث سنوات، وخمس دقائق لابن الخمس سنوات، لا أكثر ولا أقل.

قبل العقاب وبعده لا بد من الكثير من الحوار.. حديث جدي مع أبنائنا، بسيط ومباشر، ليس فيه الكثير من التعقيدات والتنظير. حديث الروح كما أسميه. لا يحتاج إلى علم ولا فلسفة، بل كل ما يحتاجه هو أن نفتح أرواحنا على أرواح أبنائنا فنلامسها برقة ونتحسس مشاغلها وأفراحها.

21