مبادئ غاندي تدخل طي النسيان في الهند الحديثة

قيم غاندي تواجه مستقبلا حافلا بالاضطراب، مع بزوغ الاتجاهات القومية الهندوسية، وتزايد جرائم الكراهية والاستقطاب الماثل بين الهندوس والمسلمين.
الخميس 2019/10/03
أجيال الشباب تزداد انفصالا عن إرث غاندي

قيم التسامح واللّاعنف التي كرسها المهاتما غاندي في الهند إبان مقاومته للاستعمار البريطاني تشهد تراجعا واضمحلالا مع وصول حزب بهاراتيا جاناتا إلى السلطة منذ 2014 لتعرف البلاد بزوغ الاتجاهات القومية الهندوسية، وتزايد جرائم الكراهية والاستقطاب بين الهندوس والمسلمين.

نيودلهي - يستحضر الهنود بمناسبة مرور 150 عاما على مولد المهاتما غاندي الأربعاء، إرث التسامح وثقافة اللّاعنف التي رسخها في البلد، في الوقت الذي تزداد فيه النزعة العنصرية ونبذ الآخر.

ويصطف الزوار في خشوع أمام متحف وضريح غاندي بنيودلهي، حيث تم في هذا المكان اغتيال الزعيم الهندي المهاتما غاندي المدافع عن الحرية والذي يحظى بالتقدير والاحترام، غير أنه يلاحظ أن معظم الزوار الذين جاؤوا ليعبّروا عن مشاعر الإجلال هم من الأجانب والقليل منهم من أبناء الهند.

ويقول مرشد سياحي يقف أمام المدخل “دخل غاندي في طي النسيان من جانب شعبه، وخلال الأعوام الأخيرة كانت أعداد قليلة من الهنود تأتي لزيارة الضريح والمتحف، ويبدو أن الزوار الأجانب أكثر اهتماما بحياته ومبادئه”.

ويتفق مع هذا الرأي أناند جوجارو وهو مهندس من مدينة بنغالور عاصمة محافظة كارناتاكا الهندية، والذي جاء لزيارة المتحف مع ابنه شينمايا البالغ من العمر عشرة أعوام.

ويقول جوجارو وهو يشير إلى ابنه “الطريقة الوحيدة التي صرنا نتعرف بها نحن الهنود على غاندي هي صورته المطبوعة على أوراق النقد، وأشعر بصدق أننا أصبحنا نتسم بالأنانية، فلا أحد يتذكر ما فعله أو التضحيات التي قام بها، ويزداد الانفصال هذا مع إرث غاندي بين أجيال الشباب والأطفال، وهذا هو السبب الذي دفعني لاصطحاب ابني إلى هذا المكان”.

وجاء استقلال الهند عن بريطانيا عام 1947 إلى حد كبير عن طريق انتهاج غاندي أسلوب ما يعرف باسم “ساتياغراها” أي العصيان المدني والمقاومة السلمية، وتعني “القتال من أجل الحقيقة”.

وهذه الاستراتيجية التي انتهجها غاندي باتت محل تساؤلات في الهند حاليا، حيث يرفضها عدد متزايد من السياسيين باعتبارها متسامية وغير عملية، ولكنه (غاندي) خارج العمل السياسي لا يزال مصدرا للإلهام.

وإذا رحلنا عن العاصمة بمسافة مئات الكيلومترات باتجاه وسط الهند، نرى السيدة ميدها باتكار التي نذرت حياتها للاحتجاج على إقامة سد “ساردار ساروفار” على نهر نارمادا، ويعد أحد أكبر مشروعات توليد الكهرباء من القوى المائية وأكثرها إثارة للجدل في العالم.

وتعد حركة “أنقذوا نارمادا” التي تتزعمها باتكار منذ 35 عاما، أطول حركة مستلهمة من تعاليم غاندي في العصر الحالي.

وهذه الحملة تتضمن إلى جانب الدعاوى القضائية، مسيرات طويلة واعتصامات وإضرابات عن الطعام على غرار أسلوب غاندي، وأيضا احتجاجات “جال ساتياغراها” غير المعتادة حيث يقف المحتجون داخل المياه التي تصل إلى وسطهم، ويرددون الهتافات والأغاني ويستمعون إلى الخطب.

حركة "أنقذوا نارمادا" التي تتزعمها باتكار منذ 35 عاما، تعد أطول حركة مستلهمة من تعاليم غاندي في العصر الحالي

وتقول باتكار زعيمة الحملات والتي لا تكل “يجب أن يلجأ المرء إلى المقاومة السلمية عندما لا تبالي الدولة بمعاناة المواطنين، ونهدف من خلال هذه الاحتجاجات إلى إثارة ضمير المجتمع لإجبار الحكومة على الاستجابة للمطالب”.

ويرجع الفضل لباتكار في صعود حركات المجتمع المدني في الهند، حيث جمعت 200 حركة معا لتأسيس “التحالف الوطني لحركات الشعب”.

وهزت حركات الاحتجاج التي تنتهج أسلوب غاندي الهند خلال الأعوام الأخيرة، مثل الحملة ضد الفساد عام 2011 التي أدت إلى استقالة حكومة مانموهان سينغ، ولا تزال هذه الحركات تستخدم أسلوبه في الإضراب عن الطعام لفترات طويلة.

كما ألهمت مبادئ غاندي الأفراد والحركات في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك زعيم حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة مارتن لوثر كينغ، وزعيم جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا، والثائر التشيكي فاتسلاف هافيل، وزعيمة ميانمار أون سان سو تشي.

ويؤكد علماء الاجتماع وأصحاب الحملات الاحتجاجية أيضا أهمية القيم التي روجها غاندي باعتبارها علاجا للتوترات والصراعات العالمية.

غير أن هذه القيم تواجه مستقبلا حافلا بالاضطراب، مع بزوغ الاتجاهات القومية الهندوسية، وتزايد جرائم الكراهية والاستقطاب الماثل بين الهندوس والمسلمين.

وفي قلب ضريح غاندي يوجد عمود الشهيد الذي يشير إلى الموقع أين أطلق عليه الرصاص متعصب هندوسي يدعى ناتورام جودسي فأرداه قتيلا. وتم ربط جودسي – الذي حمّل غاندي مسؤولية إضعاف البلاد بالسماح بتقسيمها إلى دولتين الهند وباكستان – بمنظمة “راشتريا سوايامسواك سانغ” الهندوسية والتي تعد الراعي الأيديولوجي لحزب بهاراتيا جاناتا الحاكم.

وفي تصريحات علنية للمتشددين الهندوس وزعماء الحزب الحاكم، تمت صياغة حديث يلقي اللوم على غاندي باعتباره المتسبب في حدوث انقسام في البلاد، إلى غير ذلك من المساوئ.

ويقول عالم الاجتماع شيف فيسفاناتان إن “نظام الحكم وضع غاندي داخل كرات النفثالين المقاومة للعثة، وهذا العام كان عام العنف والصراع في الهند، بما في ذلك القمع الأمني في كشمير”.

ويضيف أنه تم استخدام اسم غاندي وصورته في شعارات وبرامج رسمية مثل حملة “تنظيف الهند”، ولكن لم يتم تطبيق أفكاره، وبالتالي “تم تحويله إلى شيء تافه لا يمكن الاحتفاظ به في الذاكرة”.

بينما تقول باتكار إن الهنود اليوم أكثر من أي فترة سابقة يحتاجون أفكار غاندي لترشدهم، وتضيف أن “رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أصبح في مواجهة غاندي الآن، وعلى المرء أن يتخذ موقفا مهما كانت التكلفة”.

ويوضح المؤرخ راماتشاندرا جوها أن الجوانب الرئيسية من إرث غاندي تتضمن المقاومة السلمية، والترويج للتسامح الديني وإقامة نموذج اقتصادي لا يلحق الضرر بالطبيعة.

ويمثل المهاتما غاندي أهمية بعديد من الجوانب، كما يشير إلى ذلك حفيده والباحث راجموهان غاندي في مقال له نشرته مجلة “إنديا توداي”.

ويقول الحفيد في مقاله “في مرحلة ما بعد الحقيقة في عالمنا حيث يحتل دونالد ترامب عناوين الصحف، وتلقى الأقليات المهددة بالإبعاد معاملة سيئة، ويتم تجاهل التهديدات التي يواجهها كوكب الأرض، فإن غاندي الذي مرّ على وفاته أكثر من 70 عاما يطل علينا كرمز يعيد إلينا الثقة باعتباره رمزا مناصرا للحقيقة ومدافعا عن حقوق الأقليات وعن كوكبنا”.

13