مبادرات سهلة لمعالجة الإدمان

الخميس 2015/10/08

لا شيء أصعب أو أشقى على الإنسان من أن يرى ابنه يتألم أو يضيع. يستطيع الواحد منا أن يحمل على ظهره أطنانا من المشاق والمسؤوليات والمتاعب، لكن تكفي دمعة واحدة من عيني ابن يتعذب لتقسم الظهر وتهد العزيمة.

وأصعب اختبار يمكن أن يتعرض له الآباء والأبناء هو الإدمان على المخدرات. في عالمنا المعقد هذا، ووسط ماكنة المجتمع التي تدور بلا توقف أو هوادة، تستطيع أن تنهض على كارثة بين جدران بيتك وداخل أفراد أسرتك‫.

هذه قصة كفاح شاب أعرفه شخصيا ضد المخدرات، ربما تنفع أحدكم‫. في الحي الذي أسكن به في مدينة لاهاي الهولندية‫، يوجد محل اسمه (MUF)، وتعني بالعربية (رطوبة)، وقصة هذا المحل فريدة وملهمة، فقد كان مركزا لإعادة تأهيل المدمنين على المخدرات، تابعا لبلدية لاهاي، وكان عبارة عن محل لبيع الأثاث المستعمل والكراكيب، وقد اعتادت مراكز إعادة تأهيل المدمنين على المخدرات، على إرسالهم إليه كجزء من العلاج، لتشغل وقتهم، وتملأ فراغهم بأنشطة وأعمال يدوية، مثل تجميع الأثاث المستعمل من البيوت، وتنظيفه وإصلاح ما هو مكسور وعرضه للبيع في المحل، وإيصاله إلى بيت المشتري، إلى غيرها من الأنشطة التي من شأنها أن تشغلهم وتلهيهم‫.

أحد هؤلاء الشبان، وكان مدمنا على الهيروين، تمكن في وقت لاحق من الحصول على المحل، على شكل عهدة، من البلدية التي رغبت في التخلص منه لسبب أو لآخر‫، وكان منهارا ولا يصلح لشيء تقريبا، عمل فيه ليلا ونهارا مع بعض زملائه، واستطاع بموهبته وذكائه وإصراره أن يحوله إلى واحد من أجمل المعارض التي تبيع أثاث الستينات والسبعينات‫.

توقف نهائيا عن الإدمان، وساعد زملاء آخرين له ليتوقفوا أيضا، تزوج وأنجب طفلين، وأطلق في المحل ما يشبه المدرسة لتعليم المهتمين، كيفية ترميم وصيانة الأثاث القديم، واليوم يعتبر محله بمثابة المتحف الجميل، يبيع أجمل وأغلى الأثاث، وزبائنه في تزايد كل يوم، وهم من الهواة والذواقين الذين يبحثون عن قطع قديمة وجميلة ومكلفة .

اشترى شاحنات لنقل الأثاث، ومحلات أخرى لعرض القطع النادرة، ورأيت صوره في الصحف المحلية أكثر من مرة وهو يروي قصته‫. القصة التي عايشتها بنفسي لحظة بلحظة، ورأيت كيف يستطيع الإنسان بفضل عزيمته وصبره وإرادته الفولاذية، أن يحول الفشل إلى نجاح والضعف إلى قوة والخسارة إلى ربح‫!

مثل هذه الأفكار الصغيرة هي ما ينقصنا لنأخذ بيد أبنائنا ونخرجهم من دائرة الإدمان، والضياع، ليست مكلفة ولا صعبة ويمكن أن تنجز ببادرة شعبية وتطوع من الناس، ودون الحاجة لبيروقراطية، وتعقيدات الجهات الحكومية والمؤسسات الرسمية، ويمكن أن تكون صالون حلاقة أو مكتبة أو محل مواد غذائية أو قاعة رياضة أو مجالس فكرية وأدبية أو ناد للسينما والمسرح أو أي شيء قريب من اهتمامات أبنائنا، قادر على إخراجهم من عنق الزجاجة وإعادة ثقتهم في مستقبلهم‫.

21