مبادرة الإخوان.. خوصصة الأرباح وتأميم الخسائر

الاثنين 2013/11/18
المشترك بين «عربدة» الإخوان في الشارع وبيان الائتلاف: نهم السلطة

المبادرة التي أطلقتها جماعات إسلامية مصرية تدور في فلك جماعة الإخوان بهدف «إخراج البلاد من الأزمة»، وصفتها بعض القراءات بالمبادرة الأكثر مرونة منذ الإطاحة بالرئيس المصري السابق محمد مرسي، لكن بالإطلاع على البيان الموسوم «رؤية إستراتيجية للتحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب» يتبين أن المبادرة ترنو لاسترجاع مكاسب ونفوذ الإخوان.

«التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب» هو تحالف من تيارات مكونة من أكثر من 30 حزبا وتيارا بقيادة جماعة الإخوان المسلمين، دأب منذ 3 يوليو الماضي على تنظيم تظاهرات وفعاليات عديدة رافضة لما يسمونه «الانقلاب»، وشهدت عديد هذه الفعاليات أحداث عنف متفاوتة الخطورة. وحاول «الائتلاف» توسيع دائرة نشاطه إلى خارج البلاد عبر السعي لتصدير الرؤية الإخوانية إلى الخارج وهي رؤية تقوم على توصيف ما حدث بالانقلاب والمطالبة بعودة الشرعية.


خطأ التوصيف


المعلوم أن الجماعة الإخوانية رفضت ما حدث في مصر، منذ انطلاق الدعوات إلى حملة «تمرد» وأبت الاعتراف باستجابة القوات المسلحة المصرية للنداءات الشعبية التي هبت بالملايين في ميادين مصر، واعتبرت التدخل العسكري «انقلابا» على شاكلة الانقلابات العسكرية التي ملأت تاريخ دول العالم الثالث. ومن ثمة انطلقت في سلسلة تحركات اندرج اغلبها في سياق رد الفعل العنيف ومعاقبة الدولة والشعب المصريين على إزاحة الإخوان عن سلطة اداروا فيها ظهرهم للوطن وأبانوا نزوعهم لتمكين حلموا به طويلا.

يأتي البيان في سياق نجاح الدولة المصرية في تخطي عديد الصعاب الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، وتوفقها في تصحيح الصورة التي حرص الإخوان على تسويقها للعالم ومفادها أن إزاحتهم عن الحكم هو انقلاب وانتكاسة «للمسار الديمقراطي».

أبان بيان ما يسمى «الائتلاف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب» أن توصيفه لما حدث في مصر، يخدمُ أولا النظر الإخواني للمسألة، فالبيان مازال يصرّ على اعتماد مصطلحات من قبيل «قرارات 3 يوليو الانقلابية»، والحال أن هذا التوصيف المجانب للصواب قد فندته حقائق الأمور، أولا من زاوية عدم توفر ما حدث في مصر على شروط الانقلاب العسكري، أولا لأن تحرك 3 يوليو كان استجابة لدعوات شعبية عارمة دعت العسكر إلى إنقاذ البلاد من السطوة الإخوانية، وثانيا لان القوات العسكرية المصرية سلمت السلطة لحكومة مدنية مؤقتة خُوّلَ لها رسم ملامح الفترة الانتقالية التي ستهيئ للانتقال الديمقراطي المرجوّ (لا كما كان يدبّر له بليل الإخوان).

الخلل الثاني في التوصيف الإخواني لما حدث مصريا والوارد في البيان المشار إليه، يقوم على دمج ماكر بين ثورة 25 يناير وسلطة الإخوان، وهو فعل دأب الإخوان على القيام به حتى منذ ما قبل 3 يوليو، رغم يقين الجميع بأن جماعة الإخوان والتيارات السلفية لم تشارك في التحركات الشعبية لثورة 25 يناير بل التحقت إثر تنحي حسني مبارك. وهذا يفيد بأنه لا يجوز منطقيا الجمع بين ثورة صنعت بأياد شبابية ويسارية وليبرالية وقومية ثم أحسن الإخوان اقتطاف ثمارها، وبين فترة حكم مرسي التي ذاقت خلالها مصر الأمرّين: هرولة نحو التمكين الإخواني، وتدهور اقتصادي واجتماعي غير مسبوق.

مبادرة الائتلاف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب، كانت حريصة على تقديم تشخيص «مناسب» للقياس الإخواني، ولذلك كان القراءة الماكرة المضللة مبثوثة في كل زوايا البيان، فأن تعتبر الاطراف الإسلامية الممضية على البيان بأن «الأزمة اليوم أزمة وطن ولا تتعلق بما يراه البعض من أخطاء رئيس أو جماعة فحسب، ولكنها في الحقيقة تتمثل في ثورة تمت سرقتها وتنظام عسكري يريد تثبيت أركانه…» يذكّر بما تتصف به الأنظمة الديكتاتورية من «خوصصة الأرباح وتأميم الخسائر». هذا المتصوّر الإخواني ليس قصورا عن التشخيص المعمق، بل هو قراءة مقصودة متعمدة تريد القول بأن ما جرى في مصر لم يحدث لإيقاف سلسلة من اخطاء الجماعة، بل هو دولة عميقة تريد العودة وثورة مختطفة، والهدف المضمر من ذلك هو تسويق مقولة بان الجميع معني برفض «الانقلاب»، وأن لحظة 3 يوليو لم تكن إيقافا لحكم الإخوان بل استدعاء لحكم مبارك، وهذا كله بغاية التقليل من أهمية «الكوارث المرتكبة إخوانيا» ومغازلة أكثر ما يمكن من الأطراف السياسية.


مبادرة غائمة


إذا كان التشخيص قاصرا وغير قادر إلى النفاذ إلى عمق الظواهر وحقيتها، فلا يمكن انتظار حلول جذرية أو عميقة أو واقعية، ذلك أن مطالبة التيارات الإسلامية بقيادة الإخوان بضرورة «الحوار» من اجل تلمّس حلول للأزمة التي تعيشها مصر تنهض على مسلّمة أو بديهية مركزية يقوم عليها البيان «المخاتل» وهي ضرورة إنهاء الانقلاب وعودة الشرعية.

ومثلما كان التشخيص غير دقيق ولا يأخذ بالظاهرة من جميع زواياها، فإن العلاج سيكون ضرورة من نفس الجنس، أي أنه غير ملائم للحالة المصرية، أو أنه سيعيد زرع الأسقام القديمة إلى الجسم المصري. «الاستراتيجية» الواردة في البيان تشير إلى ضرورة انطلاق حوار معمق لبحث حلول للازمة لكن دائما داخل الإقرار المسبق بضرورة «إنهاء الإنقلاب» و»العودة إلى المسار الديمقراطي واحترام إرادة الشعب في تقرير مصيره».

المثير أن «الحوار» المرجوّ وفق المعادلات الراهنة كان مطلبا تنادي به كل التيارات المدنية المصرية طيلة عام كامل من حكم مرسي، لكنه الآذان الإخوانية لم تكن صاغية آنذاك، واعتبرت أن «الشرعية» المكتسبة من الانتخابات وما أفرزته من اغلبية تتيح للجماعة ان تتصرف في حاضر ومستقبل الشعب المصري، ويكفي أن نذكّر بالأجواء التي سادت الإعداد للدستور المصري أواخر عام 2012، وبالسعي الحثيث للهيمنة على كل مفاصل الدولة المصرية، وكان الحوار آنذاك كفيلا بالتقليل من آثار انعدام الخبرة والغطرسة الإخوانية.

الثابت أن النقاط الواردة في بيان «ائتلاف دعم الشرعية» الإسلامي، لا تستحق صفة «استراتيجية» بل هي أقربُ إلى انتفاضة الديك المذبوح أو هي محاولة الدقائق الاخيرة التي راهنت فيها الإخوان على القول بأنهم طلاب حوار، وبأنهم قدموا مبادرة «مرنة» للخروج من الأزمة، كما تداولت ذلك بعض المصادر الإعلامية- عن قصد أو عن غير قصد- والحال أن المبادرة لم تشذّ عن التفكير الإخواني القائم على خوصصة الأرباح وتأميم الخسائر، والدليل على ذلك أن أغلب مشاكل ما بعد 3 يوليو (التي استعرضها البيان بإسهاب) كانت من صنع الإخوان أنفسهم سواء اثناء حكم مرسي.

13