مبادرة التصالح في العراق: التفاف لحماية المصالح

مع تصاعد قتال العراقيين ضد تنظيم الدولة الإسلامية، والذي يشارف وفق البعض من المتابعين على نهايته، إذ يحاصر الآلاف من الجنود آخر معاقل المتطرفين في الموصل، تنوي الأحزاب الشيعية إطلاق مصالحة وطنية تاريخية مع السنة والأكراد، حيث نقل موقع “نقاش” المعني برصد الداخل العراقي، البعض من تفاصيلها وبنودها، التي يبدو من ظاهرها أنها جيدة وأن لا مصلحة تعلو فوق مصلحة العراق الشامل للكل، في محاولة قيل إنها “لنسيان خلافات الماضي”، لكن تجارب الماضي تؤكد أن لا مجال لتسوية وسط الانقسامات فيما تشير بنود المقترح إلى أنه يخدم مصالح الأحزب الشيعية دون غيرها.
السبت 2016/11/12
دخان المعركة لن يخمد قريبا

بغداد - بدأت الأحزاب الشيعية منذ أيام تدرس إعلان تسوية مصالحة تاريخية وطنية برعاية الأمم المتحدة عبر مبعوثها في بغداد يان كوبيش، وأيضا بمشاركة دول مجاورة للعراق، وتسعى المبادرة الجديدة إلى رسم المسار الذي سيسلكه العراق في مرحلة ما بعد تنظيم الدولة الإسلامية عبر إنهاء الخلافات السنية والشيعية والكردية وتحقيق السلم الأهلي حتى وإن تطلب ذلك تعديل الدستور.

ويمكن للنجاح الذي تحقق على مستوى التقدم في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، أن يوفر فرصة تاريخية لإنجاز صفقة بناء الدولة المدمّرة منذ 13 عاما، ولم تبق أمام العراقيين الآن سوى مدينة الموصل، آخر معاقل المتطرفين، وبعدها يحق لهم الاحتفال بهذا الانتصار، لكن الاحتفاظ بالانتصارات دائما يظل المهمّة الأصعب.

ومع انطلاق معركة الموصل في 17 من الشهر الماضي، بدأ السكان المحليون والمسؤولون والسياسيون وحتى حكومات إقليمية وعربية ودولية يطرحون تساؤلات مهمة: ما مصير العراق بعد داعش؟ هل سيبقى البلد موحدا؟ هل سيعود متطرفون من نوع آخر إلى الظهور؟ وهل ستبقى الخلافات السياسية بين الشيعة والسنة والأكراد قائمة؟

ولا أحد، يعرف الإجابة عن هذه الأسئلة الآن لأن ما خلفه تنظيم داعش من إرث فكري وسياسي ليس من السهل احتواؤه، فالمتطرفون الغرباء الذين اتخذوا من العراق ملاذا آمنا لهم بعد الغزو الأميركي عام 2003 لم يعتمدوا على السلاح فقط، بل استغلوا الخلافات الطائفية.

وبيّنت التجربة أن منع عودة المتطرفين إلى بلد مثل العراق تعيش على أرضه مكونات طائفية وقومية وإثنية معقدة، لا يتم فقط بقوة السلاح وإنما بإعادة النظر في آلية الحكم والدستور والقوانين، التي يصفها العراقيون بأنها فاشلة.

المعارك الشرسة التي خاضها العراقيون ضد داعش في تكريت وبيجي والرمادي والفلوجة وهيت وضواحي بغداد وأخيرا الموصل، تعتبر خطوة مهمة نحو بناء مستقبلهم لأن المتطرفين وحدوا العراقيين أكثر من أي وقت مضى، وعلى السياسيين استثمار ذلك بشكل جيد لأن مثل هذه الفرصة لا تأتي كثيرا في بلد ممزق مثل العراق.

أولى المشكلات التي ستواجه إنجاز التسوية هي الانقسامات الداخلية العاصفة بالتكتلات السنية والشيعية والكردية

وتسرّبت إلى وسائل الإعلام بنود التسوية، التي طرحتها الأحزاب الشيعية القابضة على الحكم في العراق منذ 2003، والتي تضمنت أربعة بنود أساسية: الالتزام بالوثيقة التاريخية يكون شاملا وليس تنازلا أُحادي الجانب، إقرار مبدأ “لا غالب ولا مغلوب”، تصفير الأزمات بين القوى السياسية العراقية، وأخيرا رفض استخدام العنف كوسيلة لتحقيق الأهداف السياسية.

وتضمنت أيضا مبادئ أخرى أهمها الالتزام بوحدة العراق والنظام الديمقراطي، ورفض التقسيم بأي شكل من الأشكال، والالتزام بالدستور كمرجعية للقوى المشاركة وغير المشاركة في العملية السياسية، وترسيخ دولة المؤسسات، والحفاظ على الديمقراطية والنظام المدني، واعتماد اقتصاد حر متعدد، والالتزام بالتوزيع العادل للثروات بحسب النسب السكانية للمحافظات، والامتناع عن التكفير وتخوين الآخر وعدم السماح بوجود ميليشيا خارج الدولة، والتزام جميع الأطراف بمحاربة أي مجموعة مسلحة غير قانونية.

وتبدو بنود التسوية جيدة على الورق، ولكن المشكلة الأساسية في صعوبة تطبيقها، إذ أنها ليست المرة الأولى التي يقرر فيها السياسيون العراقيون عقد مؤتمر مصالحة، وخلال السنوات العشر الماضية عقد أكثر من ثلاثين مؤتمرا للمصالحة صرفت من أجلها أموال طائلة ولكنها فشلت كلها.

ومنذ تشكيل أول حكومة عراقية منتخبة عام 2006 برئاسة نوري المالكي، ضمت الحكومة وزارة خاصة بالمصالحة الوطنية واستمرت حتى العام 2010 وبعدها تحولت إلى هيئة حكومية تابعة للحكومة، ونجحت في أوقات قصيرة من التفاوض مع فصائل مسلحة ومعارضين عراقيين في الخارج.

ويشير الموقع الرسمي لهيئة المصالحة الوطنية إلى المئات من الصور ومقاطع الفيديو التي تظهر السياسيين ورجال الدين والعشائر من السنة والشيعة والأكراد وهم يمسكون أيدي البعض خلال العشرات من المؤتمرات، ولكنها كانت مجرد مؤتمرات سطحية لم تتمكن من الوصول إلى جوهر المشكلة.

ومن المفارقات أن الموقع الرسمي لهيئة المصالحة الوطنية ينشر على موقعه تجارب دولية ناجحة للمصالحة تبدأ من تجربة جنوب أفريقيا مع نظام التمييز العنصري، وأزمة الأرجنتين بعد تخلصها من الحكم العسكري، وتجربة المغرب في إنهاء الانتهاكات ضد حربة التعبير، وتجربة المصالحة في أيرلندا الشمالية، ولكنه حتى الآن لا يجد التجربة الناجحة في العراق.

غياب قيادة سنية موحدة

أولى المشكلات التي ستواجه إنجاز التسوية التاريخية بين الشيعة والسنة في العراق، هي الانقسامات الداخلية العاصفة بالتكتلات السنية والشيعية والكردية، فلم يعد الحديث ممكنا عن وجود قوة شيعية واحدة والشيء نفسه مع السنة والأكراد، ولكن المعضلة الأشد، تبقى الأحزاب السنية لأنها نالت النصيب الأكبر من الدمار الضرر بعد احتلال تنظيم داعش للمدن السنية، ما أنتج تحالفات غير مدروسة بعضها مع الشيعة والآخر مع الأكراد.

خلال السنوات العشر الماضية عقد أكثر من ثلاثين مؤتمرا للمصالحة فشلت في تحقيق أهدافها

والنظر إلى مواقف الممثلين الأساسيين للسنة في العملية السياسية، وهم: الحزب الإسلامي العراقي، بزعامة رئيس البرلمان سليم الجبوري، وائتلاف متحدون، بزعامة نائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي، وجبهة الحوار الوطني، بزعامة صالح المطلك، وحركة الحل بزعامة جمال الكربولي، وحزب الوطنية، بزعامة نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي، يوحي بأنهم أعداء لا حلفاء. ويتصارع الحزب الإسلامي ضد ائتلاف متحدون على النفوذ السياسي في الموصل، ويتصارع حزب الوطنية ومعه حركة الحل ضد الحزب الإسلامي على الأنبار، بينما تتصارع جبهة الحوار الوطني والحزب الإسلامي ضد حزب الوطنية في صلاح الدين. الأمر الذي يطرح معادلة معقدة، لذلك على السنّة قبل الدخول في التسوية التوحّد مجددا واختيار ممثل رسمي لهم في المفاوضات التي ستكون معقدة وشاقة قبل التوصل إلى توقيعها، ويتطلب ذلك تدخلا إقليميا من الدول الدائمة للسنة كالسعودية لتوحيدهم.

لماذا تفشل المصالحة

المشكلة الأساسية في فشل مشاريع المصالحة الوطنية تكمن بالأساس في قضية حزب البعث المحظور في الدستور العراقي، فالأحزاب الشيعية القابضة على سدة الحكم في العراق بعد انهيار حكم البعث لم تصل إلى مرحلة النضوج الكافي للتسامح مع مئات الآلاف من عناصر حزب البعث السابقين، بل قامت باستخدام تهمة البعث ذريعة للقضاء على منافسيهم وإبعادهم من المشهد السياسي.

انضم مئات الآلاف من العراقيين إلى حزب البعث والجيش السابق وجهاز المخابرات مجبرين على ذلك من أجل الحصول على وظيفة حكومية لإعالة عائلاتهم في نظام شمولي تحتكر الدولة فيه الوظائف وفرص العمل مع غياب القطاع الخاص، وبالتأكيد هناك من تورطوا في أعمال قتل وإبادة داخل الحزب ولكنهم معروفون لدى الجميع ولا يزيد عددهم على المئات.

لكن الأحزاب الشيعية لاحقت جميع البعثيين حتى الكفاءات العلمية من أساتذة جامعيين وضباط محترفين في الجيش السابق ورمتهم في الشوارع بلا وظائف، وهنا وجدت الفصائل المسلحة المتطرفة فرصة سانحة لاستغلال هؤلاء وتجنيدهم، وليس غريبا أن يكون أبرز قادة تنظيم داعش العسكريين هم ضباط محترفون سابقون استفاد المتطرفون من خبرتهم العسكرية في السيطرة على ثلث العراق خلال أيام قليلة في يونيو 2014.

تجعل كل هذه التعقيدات والملابسات من المبادرة التي اقترحتها الأحزاب الشيعية، تنضم إلى بقية المقترحات والمبادرات التي سبقتها، الأمر الذي يجعل من شبه المؤكد أنه لن يكون حوار ولا تواصل، لأن المشروع بالأساس فاشل بسبب نفس الوجوه التي اتفقت بالأمس لكنها اختلفت على توزيع الحصص، وها أنها تعود اليوم بمبادرة جديدة لكنها فاشلة، الأمر الذي قد يدخل عراق ما بعد داعش في مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي والتوترات على غرار ما حدث في العراق ما بعد القاعدة والاحتلال الأميركي.

7