مبادرة الحوار الاقتصادي في تونس تثير انقساما سياسيا

في ظل وضع اقتصادي تسيطر عليه الضبابية والغموض، تصاعدت خلال الأيام الأخيرة دعوات عدد من التيارات السياسية في تونس إلى تنظيم حوار وطني اقتصادي يعمل على تشخيص أبعاد الأزمة ووضع خارطة طريق للإصلاح بالتوافق بين مختلف القوى الوطنية.
الجمعة 2017/08/04
الحوار الاقتصادي بحاجة إلى إجماع الاطراف الاجتماعية والسياسية

تونس - يزيد التضارب الذي يغلف تصريحات المسؤولين الرسميين في تونس بشأن الوضع الاقتصادي من حالة الشك والريبة حول نجاعة الإجراءات المتخذة خلال السنتين الأخيرتين لتقليل حدة العجز في الموازنة ومجابهة مشاكل المديونية، فبينما تشير التوقعات إلى تحقيق نسب نمو بـ2.5 بالمئة خلال العام الحالي، أثار تصريح وزير المالية حول عدم قدرة الدولة على توفير السيولة اللازمة لتسديد الأجور حالة من الصدمة داخل الشارع التونسي.

وفي خضم هذا الجدل المتصاعد، تصاعدت الدعوات إلى تنظيم حوار وطني اقتصادي بمشاركة مختلف الأطراف الاجتماعية والمهنية والسياسية، لتحديد أبعاد الأزمة وصياغة مشروع توافقي للإصلاح والهيكلة.

وخلال الحوار التلفزيوني الذي بث الثلاثاء، طالب رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي بتنظيم حوار وطني اجتماعي اقتصادي يجمع كلا من اتحاد الشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة واتحاد الفلاحين، إلى جانب الأحزاب السياسية.

وحذر الغنوشي من تعاظم مشكلة المديونية في صورة عدم الوصول إلى مبادرة وطنية للإصلاح، مشددا على ضرورة إشراف الحكومة على الحوار وأن تلتزم بتطبيق مخرجاته “مثلما التزمت حكومة علي العريض بمقررات الحوار الوطني”. وبدوره، أشار المدير التنفيذي لنداء تونس حافظ قائد السبسي إلى “تعاظم التحديات الاقتصادية والاجتماعية في تونس وتعطل عجلة النمو”، مؤكدا أن تنظيم الحوار الاقتصادي أصبح ضرورة ملحة للتوصل إلى “مبادرة وطنية اقتصادية واجتماعية”.

واقترح المدير التنفيذي لنداء تونس أن تتم بلورة مشروع الحوار في إطار اتفاق قرطاج، وهو ما يعطي المبادرة بعدا جامعا وملزما، كما يسهم في تحديد مضمونها كل الأطراف الوطنية بعيدا عن “الحسابات السياسية”.

محسن حسن: مبادرة الحوار تهدف إلى تسريع وتيرة الإصلاحات

وتزيد هذه الدعوات بحسب المراقبين من حجم التساؤلات حول حقائق الأزمة الاقتصادية والمالية في البلاد، في ظل الانتعاشة الملموسة التي يشهدها عدد من القطاعات وتحسن مستويات الإنتاج.

لكن مؤشرات التعافي الاقتصادي لن تحد بحسب الخبراء من آثار الأزمة العميقة التي عرفها الاقتصاد الوطني، فضلا عن تضخم نسب المديونية وارتفاع التضخم، وهو ما قد يتطلب معالجة أشمل من الإصلاحات الجزئية المعتمدة في المرحلة الراهنة.

واعتبر المكلف بالسياسات الاقتصادية بحركة نداء تونس محسن حسن في حديث لـ”العرب” أن تحسن نسب النمو وعودة الثقة إلى بعض القطاعات لا يحجبان هشاشة الوضع الاقتصادي وعجز الميزانية العمومية، إلى جانب العجز المستمر في الميزان التجاري.

وبيّن حسن أن الحوار الاقتصادي الذي دعى إليه الحزب يعتبر الإطار الأمثل لوضع خطة وطنية للإصلاح تكون ملزمة للأطراف الموقعة على وثيقة قرطاج.

وتتضمن أبرز محاور مشروع الحوار الاقتصادي بحسب حسن وضع جدول زمني ومنهجي للإصلاحات الكبرى، والتي تشمل القطاع البنكي والمالية العمومية والصناديق الاجتماعية، إلى جانب وضع سقف للتوازنات المالية للدولة عبر حزمة من الإجراءات التي تهدف إلى تقليص العجز في الموازنة وتوفير موارد إضافية وإصلاح المؤسسات العمومية، إلى جانب ترشيد سياسة الدعم ووضع إستراتيجية للحد من عجز الميزان التجاري.

ولفت المكلف بالسياسات الاقتصادية بنداء تونس إلى أن مشروع الحوار الاقتصادي، يهدف إلى تسريع وتيرة الإصلاحات بالتنسيق مع الهيئات المالية الدولية.

وبيّن محسن حسن أن المقترح لا يتجاوز بالضرورة دور المجلس الوطني للحوار الاجتماعي الذي تم إحداثه مؤخرا بمقتضى قانون صادر عن مجلس نواب الشعب، بقدر ما يمكن اعتبار الحوار الاقتصادي فضاء أشمل ومفتوحا لكل الأطراف والهياكل لتقديم مقاربتها الخاصة بالمسألة.

لكن هذه المبادرة تقابل بحالة من التشكيك والتحفظ من طرف القوى الاجتماعية، وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل والذي يعد فاعلا رئيسيا في الساحة الوطنية، كما يعتبر موقفه بشأن مشروع الحوار حاسما ومحددا.

واعتبر المتحدث باسم الاتحاد العام التونسي للشغل سامي الطاهري في تصريح لـ”العرب” أن الدعوة إلى حوار اقتصادي واجتماعي بهذه الصيغة تمثل خرقا لصلاحيات وأدوار مجلس الحوار الاجتماعي، مؤكدا أن المركزية النقابية لن تقبل بأي مبادرة للحوار خارج المجلس. وأفاد الطاهري أن الاختلاف في الرؤى يتجاوز مقترح الحوار الاقتصادي ويتعلق بالإرادة السياسية ومدى استعداد الحكومة لتغيير المنوال القائم، والقطع مع السياسات الفاشلة والتي لم تنتج سوى المزيد من النماذج الاقتصادية الهشة.

ولم يستبعد الطاهري أن تكون هذه الدعوة مقدمة لتغيير الحكومة الحالية، مشيرا إلى أن التعاطي مع المقترح يتطلب فهما لأهدافه، لافتا إلى أن الاتحاد يبقي باب إبداء الرأي مفتوحا إذا ما تمت بلورة هذه المبادرة بشكل أوضح في المستقبل.

4