مبادرة السبسي بشأن المساواة في الميراث تربك حركة النهضة

الحركة الإسلامية ممزقة بين التزاماتها الدولية وإرضاء قواعدها وقبولها بمدنية الدولة.
الخميس 2018/08/16
النهضة في مأزق

تونس – أحرج مقترح الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إحالة قانون يقر المساواة في الميراث بين الجنسين إلى البرلمان، حركة النهضة التي تبدو مرتبكة بين مرجعيتها الإسلامية ومحاولة استرضاء قواعدها وبين رغبتها في التمسك بالسلطة، الذي يفرض عليها المزيد من التنازلات والقبول بمدنية الدولة.

ودعا السبسي، الاثنين، حركة النهضة (القوة الأولى في البرلمان بـ68 نائبا من أصل 217)، إلى مساندة مشروع قانون المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، الذي سيقدمه للبرلمان في أكتوبر المقبل.

وقال السبسي، في خطاب له بقصر قرطاج الرئاسي بمناسبة احتفال تونس بالعيد الوطني للمرأة التونسية (13 أغسطس) ” أملي أن النهضة، كعنصر بارز في مجلس نواب الشعب الآن، ولها دور قوي في اتخاذ القرارات في المجلس، أن تنظر في مشروع قانون المساواة في الميراث بغاية التفتح”.

وكشف أن النهضة أرسلت له تقريرا حول موقفها من تقرير “لجنة المساواة والحريات الفردية”(رئاسية)، الذي يتضمن مقترحات حول المساواة بين الرجل والمرأة. لكن الحركة لم تفصح إلى حد الآن عن موقفها الرسمي، واكتفت بتصريحات متضاربة من قبل البعض من قياداتها.

محمد بن سالم: الرئيس ولجنة الحريات أضاعا على التونسيين فرصة للحوار والنقاش
محمد بن سالم: الرئيس ولجنة الحريات أضاعا على التونسيين فرصة للحوار والنقاش

وعزا محمد بن سالم النائب عن حركة النهضة تأخر إعلان الموقف الرسمي للحركة إلى غياب رئيس الحركة راشد الغنوشي، وتأخر انعقاد لجنة الشورى. وأوضح لـ”العرب” أنه ستتم مناقشة مشروع القانون في أقرب الآجال.

واعتبر بن سالم أن قرار عرض القانون على البرلمان أضاع على التونسيين فرصة إجراء حوار هادئ ورصين حول قضايا مجتمعية مهمة.

وشدد بن سالم على أن إصدار مجلة الأحوال الشخصية التي تنظم قوانين الأسرة التونسية وتحمي حقوق المرأة، تم بمشاركة جميع الأطراف بمن فيها الشخصيات الزيتونية، ورأى أن قرارا مثل “منع تعدد الزوجات” لم يكن مخالفا للثوابت الإسلامية. وتابع “كنا نأمل أن تستمع لجنة الحريات للمختصين ولشيوخ الزيتونة بهدف الاجتهاد كما اجتهدوا في السابق”.

لكن عدم إعلان الحركة عن موقف رسمي يكشف انقسامات داخلية، كما يضع الحركة أمام اختبار جديد لمبدأ مدنية الدولة. ويشير متابعون إلى أن غموض موقف الحركة من مسألة المساواة في الميراث يكشف حيرة الحركة بين جمهورها الذي يؤيد منطلقاتها الأيديولوجية وينتظر منها رفضا صريحا للمشروع، وبين شروط الاندماج في الحياة السياسية التي تقتضي الاعتراف بالحريات الفردية والعامة.

وقال محمد صافي الجلالي القيادي بحزب المبادرة لـ”لعرب” إن النهضة في موقف محرج بعد أن طالبها السبسي بتقديم موقفها من مشروع قانون المساواة في الميراث، وهو ما سيكشف حقيقة مساعيها للتطور والتقدم من عدمها، ومن غير المستبعد أن تبقى حبيسة مرجعيتها الدينية. ويتسق رأي الجلالي مع رأي المحلل السياسي اسكندر ناجي.

فقد قال ناجي لـ”العرب” إن “النهضة في وضع حرج أمام جمهورها بسبب مرجعيتها الأيديولوجية، لذلك تتهرب من رد واضح ودقيق”. ومسألة المساواة في الميراث من بين أكثر المواضيع إثارة للجدل في تونس إذ خرجت السبت والإثنين الماضيين تظاهرات للتعبير عن رفض هذه المقترحات أو دعمها. غير أن السبسي ترك الباب مفتوحا أمام اختيار العمل بالمساواة في الميراث من عدمه وعرضه على البرلمان.

ويقول المراقبون إن السبسي وقف في منتصف الطريق باقتراح قانون برأسين مدني وإسلامي، لأن المسألة الدينية معقدة ولم يكن قادرا على حسمها بموقف شخصي، ما دفعه إلى استعادة تجربة الحبيب بورقيبة في اعتماد سياسة المراحل عند اتخاذ المواقف.

ويعتقد المراقبون أن السبسي سعى أيضا بهذا المقترح إلى إرضاء المنظمات المدنية التي تضغط لإقرار المساواة التامة، وهي المنظمات التي ساندته بقوة في انتخابات 2014، ويريدها أن تظل سندا له إذا ترشح في 2019، لكن لم يشأ أن يغامر خوفا من ردة فعل الجهة المقابلة التي لا تمثلها النهضة فحسب.

ومسألة المساواة في الميراث ليست بمنأى عن الصراع السياسي المحتدم في تونس مع اقتراب الانتخابات الرئاسية والنيابية عام 2019.

ويقول  متابعون إن السبسي من خلال معركة المساواة في الميراث حاول أن يحرز انتصارا أمام خصمه في الحكم النهضة التي تقدمت عليه في الانتخابات المحلية الأخيرة، كما تعيش أوضاعا داخلية أكثر تماسكا مقارنة بحزب الرئيس نداء تونس الذي تعصف به أزمة داخلية حادة مردها خلاف بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد، ونجل الرئيس حافظ قائد السبسي، المدير التنفيذي للحركة.

وقدمت اللجنة، مطلع يونيو الماضي، إلى السبسي تقريرا من 233 صفحة تضمن جزأين؛ الأول مخصّص لـ”الحقوق والحريات الفردية”، ويشمل مقترحات بإلغاء تجريم المثلية، وإسقاط عقوبة الإعدام، ورفع القيود الدينية على الحقوق المدنية. أما الجزء الثاني فيتناول مسألة “المساواة” التامة بين الجنسين، خاصة في مسألة الميراث، والمساواة بين جميع الأطفال، بمن فيهم المولودون خارج إطار الزواج.

4