مبادرة تشريعية تونسية لشطب وصف "لقيط"

نواب في البرلمان يقترحون تنقيح مجلة حقوق الطفل لإلغاء مصطلح "لقيط"، ويطالبون بإقرار حق الطفل محل التتبعات في التواصل مع أسرته.
الجمعة 2019/03/29
التخلي عن الوصم يلغي الحواجز مع المجتمع
 

طرح نواب من البرلمان التونسي مؤخرا مبادرتين حول إدخال تنقيحات جديدة على مجلة حقوق الطفل؛ وتعنى الأولى بتكريس حقوق الأطفال الخاضعين للتتبعات الجزائية ومن أهمها حقهم في الاتصال المباشر مع عائلاتهم. أما الثانية فتهم حذف عبارة “لقيط”، التي تطلق على الطفل المولود خارج إطار الزواج في النص القانوني، سعيا لتحريره من الوصم الاجتماعي وتأثيراته في مختلف مراحل حياته.

تونس - قدمت مجموعة من النواب إلى مجلس الشعب التونسي الأربعاء، مبادرتين تشريعيتين، تتعلق الأولى بتنقيح مقتضيات مجلة حقوق الطفل وتكريس حقه في الاتصال المباشر مع عائلته حتى أثناء التتبعات الجزائية، وتتمثل الثانية في إلغاء توصيف “لقيط” على الطفل المولود خارج إطار الزواج.

وأفادت النائبة سامية بوحوالة، أن المبادرة التشريعية الأولى ترمي إلى ضمان حق الطفل في التوازن النفسي داخل مراكز الإيقاف عبر تمكينه من حقه في زيارة الولي أو المحامي باعتبارها تشكل إحدى الضمانات الأساسية من الناحية القانونية والنفسية، لضمان مصلحة الطفل.

وتقوم المبادرة على إمكانية تقديم الولي أو كفيل الطفل مطلبا لوكيل الجمهورية سواء كان جانحا أو مهددا أو تم استقطابه في عصابات الإجرام أو الشبكات الإرهابية، لزيارته في مكان الاحتفاظ، وأردفت “أن هذا الإجراء من شأنه أن يضمن حق الطفل في الاتصال بوالديه وباستمرارية علاقته بالأسرة من ناحية، وأن يكشف الحرص على إدماجه في المجتمع من جديد بعد قضاء فترة عقوبته من ناحية أخرى”.

ويعتبر مختصون أن تواصل الطفل الجانح أو المهدد مع أسرته ومع المختصين القانونيين كمتهم يضمن، ولو نسبيا، إحاطة نفسية تخفف عليه وطأة الإيقاف والإجراءات القانونية العقابية.

وتمكين الطفل من حقه في اللقاء المباشر مع الوالدين يجعله يشعر بالطمأنينة ويمكنه أن يعيد له رغبته في تقويم سلوكه والعودة إلى الاندماج في محيطه الأسري والاجتماعي دون الشعور بالإهمال أو بلوم ذويه أو بالنقمة على وضعه وهو ما يعبد الطريق نحو المراجعات وإمكانية الإصلاح بعيدا عن المنظومة الردعية العقابية وحدها.

أما المبادرة التشريعية الثانية فاقترحت إلغاء عبارة “اللقيط” المضمنة صلب الكتاب السابع من مجلة الأحوال الشخصية، وعدم اعتبارها توصيفا قانونيا ملائما للمنظومة التشريعية الحالية والمتعلقة بالأطفال المهملين ومجهولي النسب.

واعتبرت النائبة بوحوالة أن توصيف “لقيط”، يحتوي على عنف لفظي ضد طفل ليس له أي ذنب في الخطأ الذي اقترفه والداه، وهو توصيف مخالف للقوانين الدولية، مؤكدة على ضرورة إلغائه، وإسناد لقب عائلي إلى الطفل وإدراجه ضمن مؤسسات الدولة أو ضمن حل قانوني آخر سواء عن طريق الكفالة أو التبني، مشيرة إلى أنه "مبدئيا ستكون بديلا لهذا التوصيف عبارة “الطفل خارج الزواج”، ثم سيحتكم التوصيف الدقيق إلى دراسات اجتماعية وحقوقية تكفل له الحق في الحياة الكريمة من دون أحكام مسبقة".

التوصيف يجب أن يكون قانونيا ودقيقا ويعبر عن حالة مدنية وليست اجتماعية ويربط الطفل بمجلة الأحوال الشخصية

ويرى الباحث في علم الاجتماع طارق بالحاج محمد أن المنظومة القانونية يجب أن تكون محايدة وخالية من الوصم والأحكام القيمية المسبقة، ويجب أن تكون عادلة ومنصفة وبعيدة عن المشترك الاجتماعي، كما شدد في حديث لـ”العرب” على أن النصوص القانونية تظل وحدها غير كافية لمحو الموروث الاجتماعي المتعلق سواء بالأطفال الجانحين الخارجين من الإصلاحيات والسجون أو بالأطفال المولودين خارج إطار الزواج حيث ينعتون بصفات دونية ويعاملون على أساسها ويحرمون من العديد من الحقوق وعلى رأسها مساواتهم بأقرانهم في كل المعاملات.

ويؤكد المختص أن “القاموس القانوني يجب أن ينأى بنفسه عن المفردات الخلافية والمشحونة بالعنصرية” ويرى في العبارات المقترحة بديلا لكلمة “لقيط” مثل “مجهول النسب أو المولود خارج إطار الزواج”، وقد تكون العبارة الأخيرة هي الأنسب لكونها صفة قانونية، موضحا “التوصيف يجب أن يكون قانونيا ودقيقا ويعبر عن حالة مدنية وليست اجتماعية. كما يجب النظر إلى وضعية الطفل ليس كحالة اجتماعية بل يتم ربطه بمجلة الأحوال الشخصية التي تنظم علاقات المرأة والرجل والإنجاب…”.

وتعد كلمة “لقيط” وصما اجتماعيا ورد في القانون التونسي، ويعني الوصم الاجتماعي كل صفة أو تسمية غير مرغوب فيها تلصق بفرد أو بمجموعة بشكل يحرم الموصوم من تقبل المجتمع له لأنه مختلف عن بقية أفراد المجتمع. إنه نوع من أنواع العنصرية التي تركز على عنصر الاختلاف في الخصائص بين البشر التي تجعل الفرد مغتربا عن المجتمع الذي يعيش فيه نظرا لحالة الرفض الذي يعاني منها جراء وصمه بخاصية معينة.

ووفق بلحاج، فإن الوصم يجعل الشخص يعيش مع إحساس دائم بعدم التوازن النفسي والاجتماعي والغربة والدونية، إنه نوع من العنف الرمزي المدمر للأفراد والمجموعات والمجتمعات وهو الوجه الآخر لتفشي ظاهرة العنف في المجتمع.

ويوضح الباحث أن «كلمة لقيط هي بداية وصم لغوي مرتبط بعيوب استخدام اللغة كأن نطلق صفة معينة على شخص فتلاحقه مدى حياته وتمنعه من الاندماج الاجتماعي وتؤبد دونيته وإقصاءه وتترافق هذه الصفة مع مجموعة من الشتائم مثل “ابن الحرام” ».

ويضيف أنها “تتضمن وصما جنائيا يشير إلى نسب الأخطاء والآثام الدالة على الانحطاط الأخلاقي إلى أشخاص معينين في المجتمع، فتصفهم بسمات تجلب لهم العار أو تثير حولهم الشائعات… وصفة لقيط في تونس ليست مفردة معجمية فقط بل مفردة قانونية فيها الكثير من الأحكام المسبقة والكثير من التجني”.

21