مبادرة جاب الله تكرس هشاشة الإسلام السياسي في الجزائر

فشل رئيس جبهة العدالة والتنمية الإخوانية عبدالله جاب الله في استقطاب رموز تيار الإسلام السياسي في الجزائر إلى ندوة تأسيس نسخة ثانية من رابطة التيار الإسلامي، لتتأكد بذلك عدم قدرة الإسلاميين في الجزائر على لملمة صفوفهم، بشكل يكرس نهاية الإسلام السياسي.
الاثنين 2015/08/03
جاب الله يفشل في لم شمل الإسلاميين

الجزائر - لم يتفاجأ المراقبون بالحضور المحتشم للندوة التي نظمتها جبهة العدالة والتنمية، بالجزائر العاصمة، من أجل إطلاق مبادرة لمّ شمل أبناء التيار الإسلامي في الجزائر، واعتبروا المبادرة فرصة لتعرية وكشف الخلافات المزمنة والثقة الغائبة بين رموز تيار الإسلام السياسي، وليس لجمع شتات فرقته الحسابات الضيقة وعقدة الزعامة، التي هيمنت عليه منذ مطلع تسعينات القرن الماضي.

ورغم أن المبادرة انطلقت فردية وتستهدف الإسلاميين كأفراد وليس كأحزاب أو منظمات أو جمعيات، وإرجاء موعد إطلاق المبادرة إلى شهر نوفمبر القادم، إلا أن التوجس خيم عليها، بسبب الجفاء المتراكم بين قيادات التيار الإسلامي، خاصة الخصومة غير المعلنة بين جاب الله وعبدالرزاق مقري، على خلفية لقاء رئيس حمس بمدير ديوان الرئاسة أحمد أويحي، دون العودة إلى هيئة المتابعة والمشاورات المنبثقة عن تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي المعارضة التي يعتبر جاب الله أحد أعضائها.

ورغم محاولات الإصلاح بين الرجلين لتلافي تفجير التكتل السياسي المعارض والحفاظ على تماسكه، إلا أن الخصومة السياسية بين الطرفين ألقت بظلالها على المبادرة، ولم تسجل الحضور المأمول، لاسيما من طرف قيادات الأحزاب الناشطة، أو رموز جبهة الإنقاذ المنحلة، وهو ما شكل نكسة لجاب الله وللتيار الإسلامي، رغم تنصله في تصريحاته من تهم الزعامة التي تلاحقه.

وقال عبدالله جاب الله في هذا الشأن “لا أبحث عن الزعامة والقيادة من خلال إطلاق التكتل الجديد، وأن الخطوة هي واجب وطني تمليه الظروف الكارثية التي تعيشها البلاد، وأحض من هذا المنبر أبناء الحركة الإسلامية والوطنية للانضمام لهذا التكتل وتناسي جميع الخلافات”.

الخصومة السياسية بين القيادات الاسلامية ألقت بظلالها على المبادرة ولم تسجل الحضور المأمول وهو ما شكل نكسة لجاب الله وللتيار الإسلامي

ونفى جاب الله، أن تكون مبادرة “تكتل أبناء التيار الإسلامي”، منافسا لتكتل تنسيقية الانتقال الديمقراطي أو لجنة المشاورات والمتابعة، وشدد على أن المبادرة تستهدف الأفراد من مختلف الأحزاب والمنظمات والجمعيات التي تتبنى الخيار الإسلامي، لكنه لم يوضح موقفه مستقبلا من التنسيقية المعارضة، ولو أن مؤشرات عديدة توحي بأن الإعلان عن المبادرة هو طلاق بينه وبينها.

ولا زال الغموض يلف مشروع جاب الله، كونه لم يكشف عن هويته إن كان مبادرة سياسية للمّ شتات التيار الإسلامي، خاصة الموالين له في أحزاب النهضة والإصلاح، أم مشروع دعوي على شاكلة رابطة الدعوة الإسلامية التي أطلقها في مطلع التسعينات أحمد سحنون، واكتفى بإطلاق تصريحات مقتضبة عن تضافر الجهود والوحدة ونبذ الخلافات والانفتاح على كل التيارات.

ولا يعلق الملاحظون آمالا كبيرة على مبادرة جاب الله للنفخ في رماد الإسلام السياسي في الجزائر، انطلاقا من هيمنة عقدة الزعامة على قيادات التيار منذ تسعينات القرن الماضي، فقد فشل حينها أحمد سحنون في لجم الطموح الجارف لعباسي مدني ورفاقه في جبهة الإنقاذ، ولا عن أنانية جاب الله نفسه أو الراحل محفوظ نحناح في توحيد صفوف الإسلاميين، كما أن كل الظروف والتغيرات الداخلية والمحيطة تسير عكس نوايا الرجل.

وصرح رئيس حركة الإصلاح الوطني فيلالي غويني في هذا الشأن لـ”العرب”، “إن المبادرة لا تعني من قريب أو بعيد حركة الإصلاح، والحضور في الندوة كان بصفة فردية وغير رسمية أو باسم الإصلاح الوطني، ولم يتم لا التشاور معنا أو الاتصال بنا حول المسألة”. وأضاف “التكتل الإسلامي الوحيد هو تكتل الجزائر الخضراء الناشط في البرلمان وفي الاستحقاقات السياسية، وأعضاؤه هم حركة الإصلاح وحركة النهضة ومجتمع السلم، وما عدا ذلك فنحن لا نعترف به، ولا علاقة لنا معه”.

فيلالي غويني: التكتل الإسلامي الوحيد في الساحة السياسية هو تكتل الجزائر الخضراء
ويراهن جاب الله على الموالين له أو المنشقين عن حركتي النهضة والإصلاح اللتين أسسهما قبل أن ينسحب منهما تباعا ويؤسس جبهة العدالة والتنمية، بالإضافة لقياديين في جبهة الإنقاذ المحظورة ومن أسماهم بـ”أبناء التيار الإسلامي في كل مكان بما فيهم الموالون للسلطة”، من أجل إحياء طموح قديم كثيرا ما راود الإسلاميين في الجزائر، لكن الرد السريع والحاسم لرئيس حركة الإصلاح فيلالي غويني، الذي يكون قد شعر بنوايا جاب الله لاستقطاب موالين له أو الانقلاب عليه، يكرس غياب الثقة بين قادة التيار وعقدة الزعامة المزمنة لديهم.

ورغم أن المبادرة كشف عنها جاب الله منذ أسابيع، إلا أن قيادات في حركتي مجتمع السلم والنهضة نفت علمها بها، وشددت على أنه لم يتم التواصل معهم من طرف أصحابها.

في حين صرح الناطق الإعلامي لحركة النهضة محمد حديبي، بأن حركته غير معنية بلقاء لم تستشر في التحضير له، والوضع الخطير الذي تمر به البلاد هذه الأيام، أكبر من الأحزاب والتنظيمات، ومجابهة تغول النظام لا يكون بالتكتلات الأيديولوجية الضيقة”.

ورغم الإنجازات التي حققها الإسلام السياسي خلال السنوات الأخيرة في محيط الجزائر، إلا أن الأحزاب السياسية الإسلامية الناشطة في إطار الشرعية، ظلت حبيسة تراكمات حقبة العشرية الحمراء، ولم تتخلص من أعباء تهور جبهة الإنقاذ المنحلة، حيث لم يتعد حضورها كتل نيابية في البرلمان أو حقائب وزارية محدودة بالنسبة للذين والوا السلطة، خاصة منذ مجيء الرئيس بوتفليقة سنة 1999.

ومنذ بداية التعددية في الجزائر نهاية الثمانينات، لم يتمكن الإسلاميون من تجاوز خلافاتهم وعقدة الزعامة، رغم الوساطات ومساعي التقريب بينهم التي بذلتها شخصيات إخوانية وسلفية عربية وإسلامية في مناسبات عديدة، وهو ما قدم خدمة للسلطة الحاكمة بعدما تأكد لديها أن البعبع الإسلامي لا يخيف وتتكشف نواياه التسلطية.

2