مبادرة حول اللغة العربية في تونس: مزايدة سياسية أم حرب ضدّ الفرانكفونية

الأحد 2018/02/04
جدل اللغة

تونس - تتواصل التجاذبات السياسية في تونس حول الهوية رغم أن دستور الجمهورية الثانية المُصادق عليه منذ العام 2014 حسم في جل الخلافات والاختلافات الدائرة حولها بين مختلف أطراف الطيف السياسي.

الجدل الجديد سببه هذه المرة اللغة العربية. ففي خطوة برلمانية جديدة قّدّمت الكتلة الديمقراطية (متكونة من نواب أحزاب المعارضة؛ التيار الديمقراطي وحراك تونس الإراداة وحركة الشعب) بمجلس نواب الشعب مبادرة تشريعية أمضى عليها 12 نائبا تتكون من 18 بندا لترسيخ اللغة العربية وإلزام المؤسسات الحكومية والوزراء وموظفي الدولة بالتقيّد باللغة العربية في الخطابات والمراسلات الرسمية.

ويحذّر الكثير من الملاحظين من أن تكون هذه المبادرة قد وُلدت فقط لمحاربة الفرانكفونية خصوصا أن اللغة الفرنسية دخلت في الموروث الشعبي التونسي بانتشارها على نطاق واسع في البلاد، واعتمادها كلغة ثانية منذ استقلال تونس عن المستعمر الفرنسي في العام 1956.

ووصّف مراقبون في تونس توقيت طرح هذه المبادرة التشريعية تزامنا مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانوال ماكرون لتونس يومي 31 يناير و1 فبراير ومع تقديم الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي أو رئيس الحكومة يوسف الشاهد مداخلات باللغة الفرنسية، بالمزايدات والترف السياسي.

وحثّ الرئيس الفرنسي خلال زيارته إلى تونس، الأربعاء الماضي، على تطوير الفرانكفونية لتعزيز فرص تشغيل الشباب، كاشفا أن مشروع إحياء الفرانكفونية في شمال أفريقيا سيكون إحدى الخطط المعلنة ضمن السياسة الخارجية للإليزيه وأنه يجري التحضير لقمة الفرانكفونية المرتقبة بتونس عام 2020.

وقال غازي الشواشي، النائب عن الكتلة الديمقراطية بالبرلمان والأمين العام لحزب التيار الديمقراطي أحد أهم أحزاب المعارضة، لـ”العرب” إن المبادرة التي تم تقديمها إلى البرلمان تهدف إلى تعزيز اللغة العربية ودعمها وتعميم استخدامها، مستغربا من إقدام رأسي السلطة التنفيذية في البلاد (رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة) على التحدّث باللغة الفرنسية خلال زيارة الرئيس الفرنسي إلى تونس.

وأكّد أن من بين أهداف هذه المبادرة قطع الطريق أمام غزو الفرانكفونية للفضاءات والمؤسسات الحكومية التونسية أو المؤسسات الإعلامية الإذاعية والتلفزيونية، مستغربا من اتهام أصحاب المبادرة بالمزايدات السياسية، قائلا “نذكر الجميع بأن بورقيبة أحد أهم الفرانكفونيين في تونس كان قد منع في عهده التحدّث بأي لغة في المنابر الإعلامية بخلاف اللغة العربية”.

وكشف الشواشي أن من بين بنود المبادرة التشريعية فصل ينصّ على تسليط خطايا مالية تتراوح بين 1000 دينار و5000 دينار لكل مخالف لاستعمال غير اللغة العربية الفصحى.

وتثير المبادرة التشريعية المذكورة مرّة أخرى جدلا حول إمكانية تعارضها مع حرّية التعبير. ويرى مراقبون أنه لا يمكن إلزام أي متدخل أو إعلامي أو ضيف على التحدّث باللغة العربية الفصحى خصوصا أن البعض لا يستطيع التعبير عن مواقفه إلا بلغات أخرى كالفرنسية والإنكليزية أو باستعمال مصطلحات من العامية التونسية.

وقال الشواشي إن المبادرة لا تتعارض في محتواها مع حرية التعبير وإن مقصدها الوحيد هو الارتقاء بالجميع إلى التحدث بلغة عربية مهذّبة، مؤكّدا أنه من غير المعقول على تونس بعد ستين سنة من الاستقلال أن تستعمل في مراسلاتها الرسمية اللغة الفرنسية عوضا عن العربية.

وأقرّ النوري اللجمي، رئيس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري في تونس، لـ”العرب” بسقوط بعض وسائل الإعلام في تسويق لغة مختلطة غير محبّذة ولا ترتقي بالذوق العام، محذّرا في الوقت نفسه من مغبّة أن يكون للمبادرة طابع إلزامي قد يضيّق على الحريات.

وقال اللّجمي إن الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات ستتابع هذه المبادرة التشريعية خاصة أنها تطرّقت في بعض فصولها لوسائل الإعلام السمعية البصرية.

وتحدث شكري المبخوت الكاتب التونسي ورئيس جامعة منوبة عن هذا الطرح مشيرا في تصريح لـ”العرب” إلى أن استعمالات اللغة العربية في تونس تحتّم ضرورة تقنينها خصوصا أنّ العديد من الفضاءات كوسائل الإعلام البصرية السمعية تستخدم في جلّها لغة هجينة مختلطة بين العربية الفصحى والعامية ومصطلحات فرنسية أو إنكليزية.

لكنه حذّر من أن تكون لهذه المبادرة التشريعية مقاصد سياسيوية من قبل بعض الأطراف العروبية أو الإسلاموية هدفها الوحيد المزايدة وليس الغيرة على اللغة العربية.

قال المبخوت “أرجو ألاّ يكون طرح هذا الجدل في البرلمان مبنيا فقط على فكرة محاربة الفرانكفونية أو كرد على زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون أو للمزايدة على خطابات بعض السياسيين الناطقة بالفرنسية، مشيرا إلى أن اللغة الفرنسية على وجه الخصوص هي بمثابة “غنيمة حرب” غنمها التونسيون من فترة الاستعمار وهي شرط ضروري للاتصال والتواصل”.

وعلى عكس ما تطرحه المبادرة التشريعية في أحد بنودها حول اللهجة العامية التونسية، قال المبخوت لا يمكن فصل العامية التونسية عن اللغة العربية فهي شكل من أشكالها ولا بدّ من العمل فقط على تهذيبها لأنها تمثّل أيضا موروثا وطنيا لا بد من المحافظة عليه.

4