مبادرة فرنسية لمعالجة الثغرات في الاتفاق مع إيران

في الوقت الذي يشتعل فيه الجدل داخل الإدارة الأميركية، بمختلف مؤسساتها، حول جدوى الاتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي، والذي استماتت إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما من أجل توقيعه، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “تمسك” بلاده، وهي ضمن مجموعة 5+1 الموقعة على الاتفاق (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين إلى جانب ألمانيا) بالاتفاق في 2015. واقترحت فرنسا، التي وقعت العديد من الصفقات مع إيران بعد توقيع الاتفاق، وكانت مجموعة توتال الفرنسية أول مجموعة نفطية غربية تعود إلى طهران، استكمال الاتفاق مع إيران من خلال “مشاورات مستقبلية” ليشمل فترة ما بعد 2025، ويتناول برنامج الصواريخ الباليستية.
الأحد 2017/09/03
فرنسا تقترح إضافة متمم للاتفاق مع إيران يشمل برنامج الصواريخ البالستية

اقترحت باريس، في 30 أغسطس 2017، إجراء مفاوضات مستقبلية حول البرنامج النووي الإيراني، في مرحلة ما بعد رفع بعض القيود الرئيسية المفروضة عليه بداية من عام 2025، أي بعد عشرة أعوام من الوصول إلى الاتفاق، على أن يكون برنامج الصواريخ الباليستية المثير للجدل محوره الرئيسي.

لكن، يبدو أن المبادرة التي طرحتها فرنسا من أجل إجراء مفاوضات جديدة مع إيران حول برنامج الصواريخ الباليستية سوف تحقق نتائج إيجابية على الأقل في المرحلة الحالية، في ظل التصعيد المستمر بين النظام الإيراني وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإصرار طهران على استغلال “الثغرات” التي يتضمنها الاتفاق لانتهاكه.

تطرح المبادرة الجديدة ثلاث دلالات رئيسية:

◄ الأولى، أن باريس ترى أن الاتفاق النووي يعاني من سلبيات كثيرة، رغم حرصها على استمرار العمل به، وأنه من دون تحصينه بمفاوضات جديدة لمعالجة ما يمكن تسميته بـ”مكامن الخلل”، فإنه سيكون مهددا بالانهيار بشكل مستمر.

◄ الثانية، أن هذا الاتفاق أثبت أنه لا يمكن التعويل على إمكانية انخراط إيران في التزامات دولية صارمة طالما أنه لم تكن هناك قيود واضحة وعقوبات رادعة عليها، وهو ما يفتقد إليه الاتفاق في بعض بنوده.

◄ الثالثة، أن السبب في تجدد الخلافات الحالية الخاصة بالاتفاق يعود إلى المساعي التي بذلتها إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما من أجل إبرام صفقة نووية بأي ثمن، دون النظر إلى تاريخ إيران في التعامل مع الاتفاقات الدولية، أو إلى الملفات الملغومة التي استمرت دون تسويتها، وفي مقدمتها ملف الصواريخ الباليستية.

وهنا، كان لافتا أن باريس سعت باستمرار خلال المفاوضات التي أجريت مع إيران قبل الوصول للاتفاق إلى وضع هذا الملف تحديدا على قمة أولوياتها، باعتبار أن استمراره دون تسوية يمكن أن يعرقل العمل بالاتفاق ذاته مستقبلا. إلا أن نجاح الإدارة الأميركية السابقة في استقطاب دعم القوى الدولية الأخرى المشاركة في المفاوضات عرقل التحركات الفرنسية في هذا الصدد.

وبعد ذلك، عارضت فرنسا باستمرار تجارب إيران الصاروخية ودعت المجتمع الدولي إلى التحرك من أجل مواجهة إيران. ووجهت رسالة مشتركة مع بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية إلى مجلس الأمن، في بداية أغسطس الماضي، أكدت فيها أن إطلاق إيران صاروخ سيمرغ القادر على حمل أقمار صناعية هو خطوة استفزازية تتعارض مع قرار مجلس الأمن رقم 2231.

المبادرة الفرنسية من أجل إجراء مفاوضات جديدة مع إيران حول برنامج الصواريخ الباليستية لا يتوقع أن تحقق نتائج إيجابية في ظل التصعيد المستمر بين النظام الإيراني وإدارة الرئيس الأميركي

هدفان رئيسيان

تسعى باريس من خلال تلك المبادرة إلى تحقيق هدفين رئيسيين. يتمثل الهدف الأول في تجنب تجدد الأزمة النووية بعد رفع بعض القيود الرئيسية التي يفرضها الاتفاق حاليا على برنامج إيران النووي، خلال فترة لا تزيد عن عشرة أعوام.

إذ ترى باريس أن السياسة التي تتبناها إيران وتسعى من خلالها إلى استغلال الاتفاق لتعزيز تمددها في المنطقة وزعزعة الاستقرار في بعض دولها، فضلا عن تعمدها مواصلة إجراء تجارب خاصة ببرنامجها الصاروخي ورفضها تفتيش بعض منشآتها العسكرية، تعني أنه لا توجد ضمانات حقيقية تكفل عدم إثارة خلافات جديدة بعد رفع القيود.

وبعبارة أخرى، فإن حرص إيران المستمر على اتخاذ خطوات استفزازية مناقضة للاتفاق ساهم في ترسيخ حالة من انعدام الثقة في قدرتها على الالتزام به، وعزز من المخاوف الخاصة بإمكانية اتجاهها إلى تفعيل جانب عسكري خفي في برنامجها النووي في مرحلة ما بعد تخفيف القيود المفروضة عليها.

يتمثل الهدف الثاني في تقليص احتمال انسحاب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق، وهو احتمال بات قائما بقوة في ظل الانتقادات الواسعة التي توجهها الإدارة للاتفاق وخلافاتها المستمرة مع إيران حول بنوده المختلفة وآخرها ما يتعلق بتفتيش بعض منشآتها العسكرية.وتسعى باريس من خلال إجراء مفاوضات جديدة مع إيران إلى معالجة الثغرات التي تضمنها الاتفاق الأول عبر الوصول إلى اتفاق مكمّل قد يعزز من فرص التزام إيران ببنوده، في حالة ما إذا تضمن لغة صارمة وواضحة وإجراءات رادعة في حالة انتهاكه، بشكل قد يدفع واشنطن إلى دعم استمرار العمل به.

وهنا، فإن فرنسا ترى أن البديل سوف يكون كارثيا، وهو العودة إلى نقطة الصفر في الأزمة النووية، بكل ما يعنيه ذلك من اتجاه إيران مرة أخرى إلى رفع مستوى قدراتها النووية والاقتراب مرة أخرى من مرحلة امتلاك القدرة على صنع القنبلة النووية، بشكل سيعزز من احتمالات اندلاع حرب جديدة في المنطقة، باعتبار أن واشنطن لن تسمح لطهران بالوصول إلى تلك المرحلة.

عقبات مزدوجة

تواجه المبادرة الفرنسية عقبات لا تبدو هيّنة. إذ أن الظروف الحالية لا تعزز من احتمالات إجراء مفاوضات جديدة. فإيران ستنظر إلى ذلك على أنه محاولة للقفز على الاتفاق الحالي، وتغييره باتفاق جديد لن يتضمن المزايا المتعددة التي حققها لها الأول.

من أهداف المبادرة الفرنسية تقليص احتمال انسحاب الإدارة الأميركية من الاتفاق، وهو احتمال بات قائما بقوة في ظل الخلافات المستمرة مع إيران

وكان لافتا في هذا السياق أن أطرافا عديدة داخل طهران سبق أن حذرت من هذا السيناريو.

وأشار أكثر من مسؤول عسكري إيراني إلى أن الضغوط الدولية التي تتعرض لها إيران في الوقت الحالي هدفها إجبارها على إجراء مفاوضات ثانية للوصول إلى اتفاق نووي جديد. بل إن بعض المنتقدين لحكومة الرئيس حسن روحاني حذّروا من إمكانية اتجاه الأخيرة إلى فتح قنوات تواصل وإجراء مشاورات سرية مع القوى الدولية وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، حول البرنامج الصاروخي تحديدا، من أجل الوصول إلى ما يسمّى بـ”الاتفاق 2”، الذي يتضمن، وفقا لرؤية هؤلاء، قيودا صارمة على إيران في هذا الملف تحديدا.

واعتبر الحرس الثوري أن الخلافات العديدة التي نشبت مع الحكومة حول برنامج الصواريخ في الفترة الأخيرة لا تنفصل عن هذه المساعي. ومن هنا، يمكن تفسير بعض جوانب التشدد الذي اتسمت به مواقف المرشد والباسدران في هذا الصدد.

إذ أصدر المرشد تعليماته أكثر من مرة بتطوير مدى الصواريخ وإجراء المزيد من التجارب الخاصة بها واتهم المعارضين لذلك بـ”الخيانة والجهل”.

كما قامت إيران بإطلاق ستة منها على مدينة دير الزور السورية في 18 يونيو 2017، وأجرت تجربة لإطلاق صاروخ سيمرغ القادر على حمل أقمار صناعية في 27 يوليو الماضي.

كذلك لن تكون المبادرة موضع ترحيب من جانب إدارة ترامب طالما أنها لا تتضمن تغييرا شاملا للاتفاق الحالي. وبمعنى أدق، فإن إدارة ترامب لا تسعى، على غرار فرنسا، إلى ضم برنامج الصواريخ للاتفاق الحالي، بل إلى إجراء مفاوضات جديدة تماما تنتهي بالوصول إلى اتفاق آخر مختلف بشكل كبير عن الاتفاق الحالي.

ومن دون شك، فإن قبول طهران بذلك لا يبدو خيارا مطروحا، ليس فقط بسبب إصرارها على مواصلة العمل بالاتفاق الحالي، وإنما أيضا بسبب إدراكها أن الظروف الدولية الحالية لن تضمن لها الوصول إلى اتفاق جديد يتضمن مزايا أكبر لها في المستقبل.

إذ لا توجد إدارة أميركية تسعى بأي ثمن إلى تحقيق إنجاز في هذا الصدد، مثل إدارة أوباما، كما لم تعد خلافات طهران مع واشنطن منحصرة في برنامجها النووي، وإنما امتدت إلى الملفات الإقليمية الأخرى، وآخرها علاقة طهران مع حماس، التي دفعت المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هايلي، في 31 أغسطس الماضي، إلى دعوة المجتمع الدولي لمحاسبتها.

وعلى ضوء ذلك يمكن القول إن المبادرة الجديدة التي طرحتها ستساهم فقط في توسيع نطاق الخلافات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، بانتظار تبلور استحقاقات جديدة في أكتوبر القادم، موعد إجراء المراجعة الأميركية الجديدة للاتفاق النووي مع إيران.

رئيس تحرير دورية "مختارات إيرانية"

4