مبادرة فنية لبنانية تتآلف فيها الكلمة مع الرسم

محمد شرف ومهى أبوشقرا يبثان الحياة في المجال التشكيلي افتراضيا.
السبت 2020/11/28
انفجار المرفأ عمّق ليل لبنان (لوحة لمحمد شرف)

أطلق الكاتب والفنان التشكيلي اللبناني محمد شرف بالتعاون مع مواطنته الفنانة التشكيلية مهى أبوشقرا مبادرة فنية تلقفها الوسط التشكيلي اللبناني بشكل خاص والعربي بشكل عام، باهتمام بارز. وتقوم هذه المبادرة على دعوة كل فنان تشكيلي لينشر على صفحته الفيسبوكية عملا فنيا له يرفقه بنص من تأليفه.

بيروت – منذ أقل من شهر وأكثر من عشرة أشهر على استفحال الأزمات الاقتصادية والسياسية والصحية في لبنان أقدم الفنان التشكيلي اللبناني والكاتب الصحافي في مجال الفن والأستاذ الجامعي، محمد شرف، بالاشتراك مع الفنانة اللبنانية مهى أبوشقرا، على إطلاق دعوة عبر موقع فيسبوك إلى كل فنان تشكيلي بأن يختار عملا له يرفقه بنص صغير، وينشرهما على حسابه.

ولا تستثني هذه الدعوة نشر نصوص شخصية أو وجدانية مُرفقة بالأعمال الفنية خارج محاولة “تفسير” للعمل الفني. فصاحبا الدعوة، اللذان هما أيضا من الوسط الفني، يدركان عمق ما عنى الفنان التشكيلي الأميركي إدوارد هوبر عندما قال “إن كان باستطاعتك أن تعبّر عنه بالكلمات، فلا داعي لأن ترسمه في لوحة”. وفعلا جاءت العديد من النصوص المرافقة لأعمال فنانين بمثابة استطرادات في ذكر مناسبة إنجاز العمل الفني أو استكمال له أو مساءلة كتابية عمّا عبّروا عنه، أو حاولوا التعبير عنه في لوحاتهم.

قلب أدوار

مهى أبوشقرا تدعو الفنانين إلى المشاركة بأعمالهم في صفحة فيسبوكية تعبّر عن تطلعاتهم
مهى أبوشقرا تدعو الفنانين إلى المشاركة بأعمالهم في صفحة فيسبوكية تعبّر عن تطلعاتهم

من الفنانين المشاركين في المبادرة يحظر حتى الآن الفنان مروان عبدالواحد والفنان نزار ظاهر والفنانة زينب شريف والفنانة وفاء نصر. وقد نشر الفنان محمد شرف بعد مرور عدة أيام على مبادرته نصا تحفيزيا مرافقا لإحدى لوحاته سبق انطلاق المبادرة وتحقّقها، قال فيه “كنا قد طرحنا فكرة نشر عمل تشكيلي مع إضافة كتابية (نص) تتعلّق به وسأكون أول من يقوم بهذه الخطوة، على أمل أن يفضي ذلك إلى بعض "الحماس"، وينسحب قرار القيام بها على الأصدقاء التشكيليين المريدين”.

وقصد الفنان بالحماس هذا الشعور الذي سُلب منه القسم الأكبر من اللبنانيين ومن بينهم حتما الفنانون التشكيليون، إثر أفول الحياة التشكيلية في لبنان بشكل كامل بسبب الدمار الذي لحق بالصالات، ونتيجة لكل ما جاء من قبله من كوارث على المستوى الوطني.

وتجيء هذه المبادرة الفنية في وقت يعاني فيه لبنان من تشديد قوانين الحجر الصحي بسبب جائحة كورونا وتدهور الوضع الاقتصادي وانهيار القدرة الشرائية لدى الفرد اللبناني. مبادرة لها مفاعيل عدة أهمها أنها تعيد تصويب الأمور ولفت النظر إلى أن الفن لم يكن يوما ممارسة هامشية، بل هو عامل مُحرّك في صلب المعيش اليومي، ولاسيما إن كان ينوء تحت ضربات الأسى والانتظار.

وأهمية هذه المبادرة تقوم على جعل الفنان ناقدا فنيا بشكل أو بآخر وجعل الناقد الفني أو الكاتب عن اللوحات التشكيلية قارئا لنصوص حميمية كتبها الفنان عن فنه. ولا يخفى على أحد مدى أهمية قلب الأدوار هذه.

فهي من ناحية تفتح الرؤية عند الفنان، الناشر للوحته على الصفحة الفيسبوكية، إذ تجعله يطلق خياله التفكيكي والسردي حول عمل من أعماله فيكون ذلك سببا مباشرا لتطوير عمله الفني تحت عنوان النقد الذاتي أو التأمل العميق في ما أنتج إلى الآن وفي ما يرتئيه مُستحقا بأن يكون بداية أو استكمالا لمساره الفني.

ومن ناحية ثانية تُتيح هذه المبادرة لكل صحافي وكاتب للنصوص المتخصّصة بالإنجازات الفنية التشكيلية أن يضطلع على حميمية آلية تفكير الفنان، والسياق الذي أنتج فيه عملا فنيا دون آخر فيطوّر ذلك من آلية تفكيكه لأسرار الأعمال الفنية.

فكرة ليلية

"زائر ليلي" يشبه مبتكره محمد شرف
"زائر ليلي" يشبه مبتكره محمد شرف

من يعرف الفنان التشكيلي محمد شرف يعرف تماما بأنه فنان “ليليّ” المزاج وكتوم، يشعر ويفكّر أكثر ممّا يقول، وصاحب روح لاذعة تختار مناسباتها جيدا قبل القيام بأية حركة. لذا سألنا الفنان في أي فترة من النهار خطرت له فكرة المبادرة، فأجابنا “أغلب الأفكار تجيء في الليل”.

في الليل انطلقت فكرته، ويسهل علينا “بصريا” تخيلها نابعة، بمشاركة الفنانة مهى أبوشقرا، من عقل “الزائر الليلي” وهو شخصية من لوحات الفنان نفسه، تشبهه كثيرا حتى في الشكل الخارجي.

وهذا “الزائر الليلي”، إذا كان بالإمكان لنا وصفه، هو إنسان بلا ملامح واضحة خاصة في الليل. يشبه الظل وليس هو بظل البتة، بل حضور نافذ. وهو ذاته الزائر الليلي في معظم لوحات الفنان ووراء صوره الفوتوغرافية الرائعة التي يصوّرها لمدينته بعلبك خلال فترات الليل وتبدّل الفصول.

قال لنا الفنان خلال معرضه الأخير الذي أقامه بعد غياب عن العرض دام لمدة سبع سنوات، “رسمت هذه اللوحة خلال فترات متباعدة، ومزاج متقلّب وروحيّة متغيّرة. لأن نفسية كل إنسان منّا، متبّدلة بين لحظة وأخرى”. هذا التبدّل الذي يعتلي محمد شرف أمواجه الهوائية أراد أن يشاركه مع فنانين آخرين بوصفه فنانا وكاتبا فنيا في آن واحد، ومن هنا تأتي الأهمية المُضاعفة لهذه المبادرة.

يُذكر أن الفنان محمد شرف من مواليد عام 1955، متخرّج في أكاديمية الفنون الجميلة بمدينة سان بطرسبورغ الروسية، أنهى دراسته عام 1989، وحصل على الدكتوراه في نظريات الفن المعماري وتاريخه. ثمّ عاش لعشر سنوات في فرنسا وإيطاليا، وأجرى دراسات معمّقة في الفن الجداري، ومارس الرسم الجداري.

والمعرض الأول له في لبنان كان في مدينة بعلبك عام 1989، وتضمّن أعمالا رسمها في روسيا. أما معرضه الثاني فنظّمه عام 2002 في “دار الندوة”، واشترك بمعارض كثيرة في العديد من البلدان الأوروبية مثل روسيا وفرنسا وإيطاليا.

أما الفنانة مهى أبوشقرا فتمتاز أعمالها بعفوية تسيّرها بدراية من حصل على دراسة أكاديمية فنية. كما تظهر الألوان كعنصر مهم في لوحاتها، تكاد تكون كل العناصر الفنية الأخرى تحت تصرفها، أي الألوان.

وهي حاصلة على ماجيستير في الرسم والتصوير من معهد الفنون في الجامعة اللبنانية. وفي رصيدها العديد من المعارض المشتركة في لبنان، إلى جانب معرضها الفردي الأخير في صالة إكسود اللبنانية قبل أن يحل على لبنان غيم الخراب في عز يوم صيفي من شهر أغسطس الماضي.

14