مبادرة مشبوهة لسلفيي مصر لحل الأحزاب الدينية

حظر تشكيل الأحزاب السياسية على أساس ديني، مطلب عربي قديم متجدد، يزداد علوه في الأقطار التي جربت أو اكتوت من نار الإسلاميين، وهو هدف أساس في مسيرة بناء الدولة المدنية، إلا أن المبادرات الجديدة المنادية بحل الأحزاب الدينية، والصادرة من تيارات دينية، هي أقرب إلى الحق الذي يراد به باطل، بل هي ضرب من تأجيل الأزمة وتسكين الصداع، في هذا الصدد وقوبلت مبادرة تيار إسلامي مصري بحل الأحزاب الدينية المصرية، بانتقادات واسعة، ركزت على المفارقة وعلى الأهداف الخفية.
الاثنين 2016/08/08
تيار ديني ينادي بحل الأحزاب الدينية لغايات سياسوية

لا تزال الساحة السياسية في مصر تنتظر المزيد من المفاجآت حيال التعامل مع الأحزاب الدينية، التي تمارس دورها، على الرغم من حظرها دستوريا، واستمرار إخفاقاتها، وسط مطالبات كبيرة من قبل قوى وأحزاب مدنية بسرعة حلها.

الجديد أن هناك مبادرة سلفية طرحت أخيرا لحل هذه الأحزاب، ما تسبب في اتساع حدة الانقسام بين الإسلاميين بمختلف توجهاتهم، كما أن الدعوة إلى حل الأحزاب الدينية عندما تأتي من تيار بحجم التيار السلفي، فإن ذلك يحمل الكثير من علامات الاستفهام وقد يثير الاستغراب.

أطلقت قيادات سلفية بارزة على رأسها قيادات من حزب النور السلفي، مبادرة بحل الأحزاب الإسلامية، بعد أن أضعفت هذه الأحزاب التيار الإسلامي وأفقدته ثقة الشارع المصري، وبدأت قواعده تختفي، باعتبار أن استخدام الدين كأداة لممارسة السياسة من وجهة نظر أنصار هذا الاتجاه، يمثل خيانة للدين والوطن.

برأي بعض المراقبين أن المبادرة تبدو محاولة للعودة إلى الشارع من جديد، من بوابة الدين والدعوة تخوفا من المزيد من الخسائر على الأرض بعدما تصدعت الأحزاب الدينية، وانهارت نتيجة الصراعات التي تشهدها، وما أثير عن علاقتها المشبوهة بدول أجنبية، على غرار زيارات مسؤولين بحزب النور للسفارة الأميركية، ولقاء نادر بكار المستشار الإعلامي للحزب مع تسيبي ليفني وزير الخارجية الإسرائيلية سابقا، وكلها محطات ضاعفت من الشكوك في نوايا هذا التيار.

ما يعزز هذا الطرح، أن بديل الأحزاب الدينية، بحسب المبادرة، تشكيل مجلس علماء يضم شيوخ الدعوة من التيار الإسلامي، للإفتاء في الأمور الشرعية فقط، بعيدا عن كل ما هو سياسي، بحيث يكون المجلس بديلا للأحزاب، إذا أراد التيار الديني الاستمرار في الشارع، لأن السياسة أضرت بسمعة الإسلاميين أكثر مما أفادتهم، وأصبح الدين والفتوى هما سبيل العودة وتحجيم الخسائر.

ويعد حزب النور، الحزب الإسلامي الوحيد الذي يتمتع بثقل سياسي نسبي، وشارك في خارطة الطريق بعد ثورة 30 يونيو 2013، وخاض الانتخابات البرلمانية وحصد 11 مقعدا حافظت على وجوده من الاختفاء عن المشهد.

مبادرة التيار السلفي نفاق للدولة بالتقرب لأجهزتها، والمبادرة بلعب دور الجندي الذي يسعى لتخليصها من صداع الإسلاميين

وكانت الأحزاب الإسلامية الثمانية، وهي الوطن، والوسط، والأصالة، والفضيلة، والإصلاح، والشعب، ومصر القوية، والحرية، قد توارت نسبيا عقب الانتكاسات التي مني بها التيار الإسلامي عموما.

وانطلقت مبادرات من تيارات مدنية لجمع توقيعات لحل هذه الأحزاب، لكن لم تحقق الهدف، كما أن القضاء رفض دعوى حل الأحزاب الدينية الراهنة، مع أن الدستور المصري منع تشكيل الأحزاب على أساس ديني.

وقال محمد عبدالله، وهو قيادي سلفي شريك في المبادرة، إنه “من الشرع والدين، أن يتم حل جميع الأحزاب الإسلامية دون استثناء، لأنها أساءت للتيارات الدينية، فضلا عن أنهم يبحثون عن مصالح شخصية ضيقة، ويستغلون الدين بشكل سيء، أفقد الإسلاميين وجودهم في الشارع المصري، والبديل أن يتم تشكيل مجلس شرعي من علماء الدين العقلاء، للنظر في أمور الأمة”.

وأضاف لـ”العرب” أن الأحزاب الإسلامية فشلت، لأن أهدافها غير واضحة المعالم، وكل منها يبحث عن مجد شخصي، وتسببت في تفريق الأمة المصرية.

وعلل المبادرة بالقول “نبحث عن الحفاظ على مصر من الانقسام بتوحيد التيارات الدينية تحت راية واحدة وهدف واحد”، من خلال مجلس علماء ديني يفتي في الأمور الشرعية فقط، معتبرا أن “هذه المبادرة تهدف إلى إعادة الهيبة للتيار الديني في البلاد وإبعاده عما يشوبه من اتهامات تسببت فيها الأحزاب”. المفارقة أن الأحزاب الإسلامية لم تعر المبادرة اهتماما، ما فسره متابعون بأنها أرادت النأي بنفسها عن الدخول في صراع “إسلامي – إسلامي” يزيد من الصعوبات التي تواجهها وتؤثر على وجودها في الحياة السياسية، ولو بقدر ضئيل، خوفا من اتساع نطاق الفكرة ودخول التيارات المدنية على خط المبادرة، وتتسع المطالبة بحل الأحزاب الدينية لتصل إلى عامة الشعب، وينتهي الإسلاميون إلى غير رجعة.

مبادرة الدعوة السلفية مشبوهة وتهدف إلى العودة إلى الشارع مرة أخرى من منظور ديني بحت، بعد فشل وجودهم السياسي

من جانبه، وصف سمير غطاس، المستشار السياسي لحملة “لا للأحزاب الدينية”، ورئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات السياسية، مبادرة الدعوة السلفية، بأنها “مشبوهة” وتهدف إلى العودة إلى الشارع مرة أخرى من منظور ديني بحت، بعد فشل وجودهم السياسي.

وأشار لـ”العرب” إلى أن هناك نية لدى بعضهم في السطو على دور المؤسسات الدينية الرسمية (الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء) من خلال مجلس العلماء المزعوم الذي يريدون تأسيسه، وهؤلاء يريدون حاليا “لعب أي دور حتى يكون لهم وجود في الشارع”.

ولم يستبعد غطاس أن تكون مبادرة التيار السلفي “نفاق للدولة” يريد التقرب لأجهزتها الرسمية، بأن يبادر بلعب دور الجندي الذي يسعى لتخليصها من صداع الإسلاميين، ووضعهم في خندق “الدعوة فقط”.

وتوقع بعض المتابعين فشل المبادرة، لأن التيارات الإسلامية في مصر مختلفة في التوجهات الفكرية والنظرة إلى الدولة بشكل عام، وكل منها يسعى إلى فرض سطوته على الآخر، ولا يمكن أن يكون لهم رأي واحد.

وقال غطاس “هذه الأحزاب لا يعنيها الدين، بقدر ما تبحث عن المكاسب المادية والمعنوية حتى لو كانت مشبوهة، وسوف تحارب من أجل الحفاظ على وجودها، وفي نفس الوقت يجد التيار السلفي نفسه مهمشا، ويحاول البحث عن دور في حدود قدراته، بالدخول إلى الناس من بوابة دينية شرعية بأهداف أكثر شبهة”.

ويرجح مراقبون تصاعد المعركة في المستقبل القريب بين تيار ديني يسعى إلى فرض سطوته بالفتاوى والشرعية، وآخر ديني سياسي يسعى لإنهاء التيار الأول وفرض كلمته، وقد تنتهي المعركة بقضاء الاثنين على بعضهما.

13