مبادرة مغربية وهروب جزائري

الدعوة الجزائرية إلى عقد قمة مغاربية تبدو كما لو كانت تنصلا من المسؤولية تجاه قطع العلاقات مع المغرب، وعندما اتخذت قرارا بإغلاق الحدود عام 1994 لم تطرح القضية أمام القمة المغاربية بل اتخذته بشكل انفرادي.
الجمعة 2018/11/30
المغرب لم يفتأ في كل مرة يبدي رغبته في إذابة الجليد وإعادة العلاقات

بقدر ما تجمع الجغرافيا والتاريخ بين المغرب والجزائر، الجارين اللصيقين، بقدر ما تفرق بينهما السياسة، إذ منذ أكثر من ثلاثة عقود تتردد العلاقات بين البلدين بين المد والجزر ولا تشهد استقرارا. بيد أنه منذ النصف الأول من تسعينات القرن الماضي شهدت الأزمة الدبلوماسية بينهما حالة من “الاستقرار” غير المسبوقة، منذ إغلاق الحدود من جانب الجزائر في العام 1994، حيث بدا أن العلاقات بين الجزائر والرباط تجمدت عند ذلك التاريخ.

لكن المغرب لم يفتأ في كل مرة يبدي رغبته في إذابة الجليد وإعادة العلاقات، فطيلة ما يربو على عشرين عاما، منذ توليه الحكم في العام 1999، لم يتردد العاهل المغربي محمد السادس في توجيه الرسالة تلو الأخرى، سواء في المراسلات الرسمية مع الدولة الجزائرية في مناسباتها الوطنية، أو في خطبه الموجهة إلى المواطنين.

أدرك ملك المغرب أن إغلاق الحدود يعود إلى حقبة سياسية مختلفة لم يكن فيها رئيسا للدولة، وأن مرحلة التسعينات ومخلفاتها صارت إرثا من الماضي، وأنه لا بدّ من فتح صفحة جديدة، لكن المواقف الجزائرية ظلت كما هي وكأن شيئا لم يتغير. وكان العاهل المغربي ينطلق من موقف مبدئي حول أهمية تفعيل الاتحاد المغاربي ورفع مستوى التعاون الإقليمي بشكل أوسع، وهو الذي قدم أطروحته الجامعية أيام كان وليا للعهد، في العام 1994، حول البناء المغاربي.

واستمرارا على ذات النفَس، وجه العاهل المغربي يوم 6 نوفمبر الماضي، في خطابه بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء، دعوة إلى الجزائر لإحداث آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور بين البلدين، بهدف فتح الحدود وتنقية الأجواء. وبعد أسبوعين من التلكؤ، دعت الجزائر، عبر وزارة الخارجية فيها، إلى عقد قمة مغاربية “في أقرب وقت ممكن”، تجمع وزراء خارجية البلدان المغاربية الخمسة، أي المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، وهو الرد الذي شكل مفاجأة غير متوقعة على مستويات عدة.

منذ توليه الحكم لم يتردد الملك محمد السادس في توجيه الرسالة تلو الأخرى، سواء في المراسلات الرسمية مع الدولة الجزائرية في مناسباتها الوطنية، أو في خطبه الموجهة إلى المواطنين

فالدعوة المغربية لم تكن تقصد خلق مبادرة للحوار بين البلدين داخل الاتحاد المغاربي، لسبب واضح وهو أن هذا الاتحاد لم يعد قائما منذ سنوات طويلة. ففي يناير من العام الماضي قال العاهل المغربي، في خطابه أمام القمة الأفريقية الثامنة والعشرين بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، إن “شعلة اتحاد المغرب العربي قد انطفأت”، مضيفا بأن “الحلم المغاربي، الذي ناضل من أجله جيل الرواد في الخمسينات من القرن الماضي، يتعرض اليوم للخيانة”.

وتلك كانت رسالة صريحة بأن المغرب لم يعد مهتما بهذا الاتحاد، خصوصا وأن ذلك الإعلان تم داخل قمة الاتحاد الأفريقي الذي عاد المغرب إلى احتجاز مقعده فيه بعد غياب قارب الأربعين عاما، ما يعني أن الرباط نفضت يدها من الاتحاد المغاربي واستبدلت به الاتحاد الأفريقي. ولم تأت الدعوة إلى تشكيل آلية تشاورية إلّا انطلاقا من الاهتمام بتطبيع العلاقات مع الجزائر بشكل ثنائي، على هامش الاتحاد الذي انتهى دوره.

وتبدو الدعوة الجزائرية إلى عقد قمة مغاربية كما لو كانت هروبا إلى الأمام وتنصلا من المسؤولية تجاه قطع العلاقات مع المغرب، وما يزيد الأمر تعقيدا أنها عندما اتخذت قرارا بإغلاق الحدود عام 1994 لم تطرح القضية أمام القمة المغاربية، بل اتخذته بشكل انفرادي. وخلال القمم القليلة التي عقدت طيلة الفترة الماضية منذ ذلك التاريخ لم تطرح مسألة الحدود على طاولة المباحثات المتعددة بين البلدان الخمسة، ذلك أن البلدان الثلاثة الأخرى تدرك جيدا عمق الأزمة الثنائية بين البلدين، بسبب المواقف التقليدية الجزائرية من الصحراء المغربية ودعمها لجبهة البوليساريو. وكان الرئيس التونسي السابق، منصف المرزوقي، قد قام بجولة في البلدان المغاربية الخمسة عام 2012 لتحريك الاتحاد المغاربي، وسعى إلى تقريب وجهات النظر بين البلدين، لكنه اصطدم بالموقف الجزائري فعاد من جولته بخفي حنين.

المشكلة الأكبر بين المغرب والجزائر قد تتجاوز البعد السياسي إلى البعد السيكولوجي، فتعقيدات العلاقة لا تعود إلى الأمس القريب، بل لها جذور ضاربة في عمق التاريخ الحديث، ولعل هذا ما دفع العاهل المغربي إلى اقتراح آلية مشتركة لمعالجة مختلف الملفات دون أن يقتصر على مطلب فتح الحدود، كما دأب على أن يفعل منذ أكثر من عقد. لكن وجود جيلين في الحكم في البلدين ربما كان له نصيب في استمرار روح القطيعة، نظرا لاختلاف الثقافة السياسية، ففي حين ينتمي العاهل المغربي إلى جيل السبعينات الذي يسعى إلى تحقيق دينامية أكبر في العلاقات وطي صفحة الماضي، ينتمي الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة إلى جيل الأربعينات، الذي لا يزال متشبعا بالثقافة السياسية التقليدية، دون أن ننسى أن بوتفليقة كان أحد صانعي الحالة السياسية الراهنة بين البلدين، لكونه كان يتولى حقيبة الخارجية في عهد الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين، في مرحلة نشأة جبهة البوليساريو وبداية أزمة الصحراء المغربية.

8