مباراة التصالح بين قابيل وهابيل

هل ينتهي الصراع بين أديداس وبوما بعد أن أدى إلى انقسام مدينة هيرتسوجيناوراخ بأكملها ما بين مؤيد لهذا ومناصر لذاك.
الأحد 2018/07/08
مصانع شركة بوما الحالية في مدينة هيرتسوجيناوراخ شمال ألمانيا

الصدفة وحدها قادتني إلى مدينة هيرتسوجيناوراخ شمال ألمانيا عندما كنت مارّا في الطريق الحولي عند أطراف مدينة هامبورغ الكبرى في الطريق إلى الدنمارك، حين توقفت في إحدى محطات التعبئة لأحتسي القهوة وأدخن سيجارة، عندها اتّصلتُ بصديقة تعيش في المقاطعة منذ خمس سنوات لألقي عليها التحية وأمضي في طريقي..

ـ مدينتي تدعى هيرتسوجيناوراخ.. ضعها في الـ’جي بي أس′ وسيقودك مباشرة إلى شقّتي.

جاءني صوت لينا عبر الهاتف واثقا رقيقا، لكنّني لم أكن متأكدا من أنّني حفظت الاسم الصعب في الحقيقة. وعندما سألت إحدى العاملات في محطة التعبئة، ضحكت وتطوّعت لتعبئة الاسم بالأحرف الألمانية الصحيحة في الجهاز الصغير الذي قادني فعلا إلى شقة لينا مباشرة.

ـ ما الذي يجعل من مدينتك استثنائية كي يقضي فيها المرء يوما للتجول والاستكشاف؟

سألتُ لينا التي تدرس تاريخ الفن والتي تركت بلدها الأصلي سوريا منذ سنوات هربا من الحرب هناك. ضحكت وهي تقدّم لي فنجان القهوة وقالت:

ـ حرب التجهيزات الرياضية.. لن تصدّق الأمر!

كان تعليق لينا كافيا لإثارة فضولي وتأكيد رغبتي في قضاء اليوم في المدينة، ناهيك عن رغبتي بالاطلاع على آخر تجاربها في الرسوم المتحركة ومناقشة بعض الأفكار الخاصّة بسيناريو مؤجل بيننا طالما تحدثنا في شأنه، وما هي سوى ساعة قضيناها في الدردشة وشرب القهوة، حتَّى وجدت نفسي أتجول في المدينة بصحبة لينا التي تلفعت بشال صوفي طويل في يوم شتائي بارد، ومن فوق جسر متحرّك التقطتْ صورا لجانبي النهر وأشارتْ بيدها موضحة:

ـ انظر هذا الجانب من المدينة لأديداس وذاك المقابل له في الجهة الأخرى من النهر لبوما!

استمر الصراع والتنافس حتّى العام 2009 عندما قرر موظفو الشركتين وضع حدّ للحرب التجارية المستعرة بينهما وإنهاء عقود من العداء

تعود الحكاية إلى عشرينات القرن الماضي، عندما قرر الأخوان داسلر تأسيس مصنع صغير للأحذية في الفناء الخلفي للمصبغة التي كانت تملكها والدتهما بولين، وكان والدهما كريستوفر فون ويلهلم داسلر، يعمل في مصنع للأحذية، ثم سرعان ما انضم ابنه الأكبر رودولف إليه كعامل في مصنع الأحذية أيضا بعد أن ترك المدرسة، قبل أن يشارك كجندي في الحرب العالمية الأولى، وبعد انتهاء الحرب عمل في تجارة الجلود في نورمبورغ قبل أن يعود في العام 1924 إلى مدينة هيرتسوجيناوراخ وينضم إلى أخيه الأصغر أدولف الملقب بـ”أدي” الذي كان قد أسس مصنعا للأحذية الخاصّة.

كان المدّ النازي في تصاعد ملفت خلال تلك الفترة التي نشط فيها الأخوان داسلر، وكانت الأعمال تواجه صعوبات متزايدة بعد أن أخذ النفوذ النازي والحماس القومي يتزايدان في ألمانيا، فانضم كلا الأخوين إلى الحزب النازي من دون قناعة حقيقية، على الرغم من أن رودولف كان أقرب قليلًا إلى التطرف.

وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية، بدأ الخلاف يدب بين الأخوين، حتّى وصل إلى نقطة الانهيار خلال هجوم جوي لطائرات الحلفاء على المدينة في العام  1943، عندما حاول أدي وزوجته دخول الملجأ وكانت عائلة أخيه رودولف قد سبقتهما إليه، فقال أدي عبارة “هاهم الأوباش قد عادوا من جديد”، وكان يقصد، على ما يبدو، طائرات الحلفاء، لكن شقيقه رودولف كان على قناعة تامّة بأنّه يقصده هو وعائلته، وازداد الأمر سوءا بينهما عندما اعتقل الأميركان رودولف بتهمة الانضمام إلى وحدات الأس أس النازيَّة، بعد أن اتهم الأخير شقيقه أدي بالإخبار عنه.

وما أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في العام 1948 حتّى كان الأخوان داسلر قد قسّما أعمالهما وموظفيهما كرجلي أعمال، وانتقل أدي إلى الجانب الآخر من نهر أوراش الذي يقسم المدينة، ليبدأ شركته الخاصّة بصناعة التجهيزات الرياضية، بعد أن اختار لها اسما هو عبارة عن المقطع الأول من اسمه أدي والمقطع الأول من اسم عائلته “داس″ لتعرف لاحقا بالاسم الشهير “أديداس″، بينما أسس أخوه رودولف شركة خاصّة به أطلق عليها أوّل الأمر اسم “روداس″ المشتق أيضا من الشق الأوّل لاسمه والشق الأوّل لعائلته، قبل يتغير الاسم لاحقا إلى “بوما شوفابريك رودولف ديسلر”.

لقد شبّه بعض المؤرخين العداء الذي نشب بين الأخوين لاحقا بقصة هابيل وقابيل، أو رومولس وريموس، بعد أن تحوّل التنافس بين أكبر اثنتين من العلامات التجارية الشهيرة في عالم صناعة التجهيزات الرياضية، إلى ما هو أبعد من مجرّد منافسة شركات، كان صراعا مريرا في الحقيقة بين عائلتين كبيرتين ونزاعا قانونيا في المحاكم استمر على مدى أكثر من 60 عاما وأدى إلى انقسام المدينة بأكملها ما بين مؤيد لهذا ومناصر لذاك، وكان الناس ينظرون إلى شكل الحذاء الذي يرتديه بعضهم البعض قبل الخوض في نقاش معهم ليتأكدوا إلى أي الفريقين ينتمي.

هربرت هانير مدير شركة أديداس (يسار) وجوش زينز مدير شركة بوما (يمين) أثناء افتتاح بمباراة السلام بين الشركتين في العام 2009، لاحظ أن الكرة اختيرت من ماركة "نايك" كي لا يختلف الطرفان
هربرت هانير مدير شركة أديداس (يسار) وجوش زينز مدير شركة بوما (يمين) أثناء افتتاح بمباراة السلام بين الشركتين في العام 2009، لاحظ أن الكرة اختيرت من ماركة "نايك" كي لا يختلف الطرفان

وصعد نجما الأخوين داسلر قبل ذلك في العام 1933 عندما تمكنا من إقناع نجم الألعاب الأولمبية الأسطوري آنذاك، الأميركي من أصول أفريقية جيسي أوينز، باستخدام حذاء خاص من صنعهما يمكّنه من الميلان بدرجة 45 من دون أن يسقط، عندها فاز أوينز بأربع مسابقات جري على التوالي وحصد أربع ميداليات ذهبية في دورة الألعاب الأولمبية في العام 1936، (تعاقد رودي لاحقا مع لاعب التنس الألماني الشهير بوريس بيكر للترويج لمنتجاته)، الأمر الذي أدى إلى انتشار سمعة منتجات مصانع “داسلر” على النطاق الدولي وانفجرت مؤشرات المبيعات الخاصّة بها بطريقة مهولة.

لكن هذا النجاح خلق توترات جديدة في علاقة الشقيقين، المتوترة أصلا بسبب حقيقة أن أسرتيهما تعيشان في الفيلا نفسها وأن زوجتيهما في خلاف متواصل بسبب الحسد وازدياد الأعمال، وجرت سلسلة من الأحداث التي قيل إنها قد فاقمت الصراع الناشب بين الأسرتين، حتى حدثت واقعة الملجأ آنفة الذكر التي أدت إلى تفجر الخلاف وانهيار الشراكة كلّيا.

لقد أسهم فارق الخبرة بين الشقيقين بحدة التنافس بين شركتيهما، ففي الوقت الذي كان فيه رودي واحدا من أفضل موظفي المبيعات والتوزيع، كان شقيقه أدي واحدا من أفضل التقنيين في صناعة الأحذية الرياضية والأقرب إلى الرياضيين المشهورين الذين كان يصغي لمقترحاتهم لتطوير منتجاته.

لقد كان التنافس بين الشركتين، لا سيّما في خمسينات وستينات القرن الماضي، سببا في تطور التجهيزات الرياضية واستحواذ الشركتين على السوق، تاركتين ما يقل عن ثلاثة بالمئة منه فقط لأقرب منافسيهما شركة “نايك” الأميركية.

لقد استمر الصراع والتنافس حتّى العام 2009 عندما قرر موظفو الشركتين وضع حدّ للحرب التجارية المستعرة بينهما وإنهاء عقود من العداء. كان ذلك بواسطة تنظيم مباراة بكرة القدم بين فريقي الشركتين انتهت بالتعادل بهدف واحد لكل منهما، لكن لا أحد يعلم في الحقيقة مشاعر الأخوين داسلر اللذين دفنا في مقبرة واحدة أواخر الثمانينات بتلك النتيجة الوديَّة.

 وكان رودي داسلر قد توفي في 27 أكتوبر 1974 بسبب سرطان الرئة في سن الـ76، تلاه شقيقه أدي  بعد أربع سنوات، ويتراوح عمرهما بين 74 و78. ودفنا في باحة كنيسة البلدة تفصل بينهما مسافة أكثر من 800 متر كرمز للعداء بينهما.

لكن في تلك المباراة، تصافح كل من هربرت هاينر مدير شركة أديداس الحالي وجوش زينيز مدير شركة بوما قبل صافرة البداية. كان ذلك اليوم يوم السلام العالمي وكان الآلاف من موظفي الشركتين وجمهور غفير من سكان المدينة العريقة يترقبان ذلك الحدث التاريخي، على الرغم من أن الكثير من سكان المدينة الكبار، الذين كانوا شهود عيان على تفصيلات ذلك الصراع والتنافس المرير بين الشركتين يعتقدون بأن الأمر يلزمه أكثر من مباراة بكرة القدم لمحو عقود من الكراهية.

احتسيتُ قهوتي في مقهى كريملر كافيه وأنا أنظر لمبنيي كلا الإمبراطوريتين من بعيد، قبل أن تنتبه لينا لحذائي الأزرق ذي الشسع الأبيض المطاطي:

ـ لا بدّ أنّه حذاء باهظ الثمن.. هل هو أديداس أم بوما؟

ضحكتُ وأنا أتأمّل انكسار أشعة شمس الغروب على شعرها الأشقر المبهر الذي زادها تألقا.

13