"مبارزة الأسود" مباراة لكرة القدم لا تنسي الأفارقة همومهم في ليبيا

مخيم تاجوراء للمهاجرين الأفارقة في ليبيا ينظم مباراة كرة قدم أسبوعيا في محاولة للتخفيف من معاناة المحتجزين الذين أصيب معظمهم بصدمات نفسية.
الاثنين 2018/03/05
نفوز أو ننهزم نريد أن نرحل

طرابلس- في مخيم تاجوراء، تواجه مهاجرون من الكاميرون وآخرون من السنغال في مباراة لكرة القدم، لكن ولإبراز مواهبهم اختار الفريقان اسمي الأسود غير المروضة وأسود التيرنجا وهما فريقان معروفان في بلديهما.

وفي حين يثير لقاء هذين الفريقين الكثير من الحماسة بين عشاق اللعبة في أفريقيا، فإن المباراة نفسها بعيدة كل البعد عن الأجواء الاحتفالية الفلكلورية التي غالبا ما تتسم بها ملاعب القارة.

دارت المباراة في إحدى ضواحي طرابلس على ملعب رملي يحيطه جدار صغير مطلي بالأبيض أمام المبنى الرئيسي الذي تحول إلى مركز احتجاز، أما الجمهور فاقتصر على حارسين.

ومن بين 500 مهاجر يقبعون في مركز الاحتجاز منذ أشهر، اختير 12 لاعبا من السنغال والكاميرون. وتم تشكيل الفريقين على عجل، وقال أحد الحراس مبتسما “إنه صراع الأسود”. الهم الأول للاعبين كان العثور على حذاء بمقاس مناسب، لكن المحظوظين قلة، أما الباقون فكان عليهم خوض المباراة في الرمال بجواربهم.

ارتدى السنغاليون فانيلات صفراء بينما كان اللون البرتقالي من نصيب الكاميرونيين. واستعد المهاجرون بجدية للبدء، وبعد التحمية ببعض التمارين الخفيفة وجهوا التحية إلى الحارسين، أي إلى كل جمهورهم.

وبعد دقائق من الجري المتقطع والمراوغة والاعتراضات القوية، بدأ العرق يتصبب على وجوه اللاعبين. وسرعان ما قرر لاعب سنغالي بالكاد يلتقط أنفاسه أن يستسلم وجلس مستندا إلى الجدار قائلا، “لم أعد أقدر. مضت علينا عدة أشهر في السجن ونحن لا نقوم بأي نشاط جسدي. نحن لا نتحرك داخل السجن”.

وأضاف “كما أننا هواة بينما الكاميرونيون لاعبون مهرة كانوا يلعبون ضمن فرق”. واستمرت المباراة من دونه والنتيجة حاسمة 4- صفر للأسود غير المروضة.

بدا مامادو أوال (21 عاما) فخورا بالنصر، فقد غادر لاعب الوسط على غرار مثاله زين الدين زيدان نجم منتخب فرنسا السابق الذي أصبح مدربا لريال مدريد، الكاميرون في سن 17 عاما على أمل الوصول إلى أوروبا بعد مسيرة احترافية في كرة القدم بدأها منذ بضع سنوات في مركز للتدريب في بلاده.

عشرات الآلاف من الأفارقة الحالمين بأوروبا محتجزون في ظروف غير إنسانية

ويقول أوال إنه قرر أن “يخوض المغامرة” إلى أوروبا استنادا إلى “ثقته بموهبته” التي كان يحلم من خلالها أن يعيش النجومية في أحد الفرق المحترفة، لكن “الحظ خالفه”.

ففي طريقه إلى القارة العجوز، أوقف في عرض البحر المتوسط. وقال “في ليبيا عانيت الكثير وهذا السجن الثالث لي وفي كل مرة توقفنا البحرية الليبية خلال عبورنا”.

ويشاطره الحلم بتحقيق المجد في أوروبا زميله في الفريق تاكوتي ستايف الذي علق دراسته “ليكرس نفسه لكرة القدم”، ويقول “كلما رأيت (نجمي كرة القدم السابقين من الكاميرون) روجيه ميلا وصامويل إيتو، أشعر بالرغبة في أن أصبح مثلهما”.

وتنشط الهجرة غير الشرعية في مناطق الغرب الليبي بشكل كبير، خصوصا منذ الإطاحة بنظام الزعيم الليبي السابق معمر القذافي في 2011، مستفيدة من تدهور الوضع الأمني وحالة الفوضى بالبلاد. وتقول الأمم المتحدة إن بين 700 ألف ومليون لاجئ موجودون حاليا في ليبيا، العشرات من الآلاف محتجزون في ظروف غير إنسانية.

ويروي الغيني محمّد يحيى معاناة الأفارقة في السجون الليبية، “عند الوصول إلى مراكز تجميع المهاجرين غير الشرعيين في مدن الغرب الليبي، يقوم منظّمو تلك العمليات بسلب المهاجرين (من جنسيات أفريقية مختلفة) ما يملكون من أموال وهواتف وأي ممتلكات”.

وأضاف أنه يتم الزج بالمهاجرين في السجن لعدم امتلاكهم أوراقا ثبوتية، غير أن من يمكنه الهرب من البلاد، لا ينجو من الاعتقال. وبعد أن تدرب أوكامو لوبو في مركزي إعداد وفريقين من الدرجة الثانية في الكاميرون، غادر بلدته دوالا في سن الـ16 على أمل الوصول إلى أوروبا.

وروى لوبو “حاولت الانطلاق من الجزائر ثم المغرب ولم أنجح”. فتوجه عندها إلى ليبيا حيث تعرض للتوقيف مرات عدة ورأى مهاجرين يموتون في عرض البحر، وبقي حلمه معلقا بالانضمام إلى فريقه المفضل في أوروبا أرسنال الإنكليزي.

وفي المقابل، قال سرين ديوكانيه (22 عاما) إن “لا علاقة له بكرة القدم”، ويضيف “إنها فرصة فقط لي للخروج من السجن لبعض الوقت. عندما سألوا من يعرف اللعب أجبت على الفور أنني أحسن مداعبي الكرة”.

قاطعه مسؤول في المخيم يدعى فرج الغيلوشي مناديا على المهاجرين للعودة إلى زنازينهم، “ننظم مباريات لكرة القدم كل أسبوع في محاولة للتخفيف من معاناتهم. معظمهم أصيبوا بصدمات نفسية سواء بسبب فشلهم في العبور أو لأنهم فقدوا شخصا عزيزا خلال محاولتهم”.

وقال “في المرة المقبلة سنحاول تنظيم دورة على غرار كأس الأمم الأفريقية”، فرد أحد المهاجرين عليه بصوت منخفض “لا، شكرا، كل ما نريده هو مغادرة هذا المكان”، قبل أن تنغلق البوابة الحديدية للسجن وراءه.

20