مبارك الجابري: التحولات المجتمعية ساهمت في ظهور قصيدة النثر

الباحث العماني يؤكد أن الرفاه المادي في الخليج وفر مصدر رعاية رسميا للمثقفين والمبدعين.
الثلاثاء 2018/10/16
من في المركز أكثر حضورا
تعتبر البحرين رائدة في قصيدة النثر في منطقة الخليج العربي، بكل ما تحمله هذه القصيدة من نفس حداثي يترافق مع حداثة اجتماعية وفكرية وحتى جمالية، وهذه الريادة يؤكدها الباحث العماني مبارك الجابري مشيرا إلى أن قصيدة النثر في البحرين واحدة من أهم تجارب التحديث الشعري في الخليج العربي، وأنه يمكن التأريخ لها في عام 1973.

استرجع مبارك الجابري أثناء ندوته في أسرة الأدباء والكتاب -التي أقيمت في مقر الأسرة في منطقة الزنج مؤخراً- السجال الدائر حول نسبة انطلاق قصيدة النثر في البحرين إلى كل من قاسم حداد في مجموعته “قلب الحب” 1980، وإيمان أسيري في مجموعتها “هذي أنا القُبّرة” 1982، وذلك -حسب رأيه- يعود إلى سببين، الأول مناط بالسبق التاريخي لقاسم حداد في نشر مجموعته التي سبقتها ثلاث مجموعات سابقة على هيأة قصيدة التفعيلة: “البشارة” 1970، و”خروج رأس الحسين من المدن الخائنة” 1972، و”الدم الثاني” 1975، ثم أخلص ديوانه الثالث “قلب الحب” لشكل قصيدة النثر.

أما السبب الثاني فهو متعلق بالتوثيق التاريخي لنصوص إيمان أسيري في “هذي أنا القُبّرة”، موضّحًا سبق بعض النصوص لتاريخ نشر مجموع قاسم حداد الذي خلا من تأريخ النصوص، مع عدم إغفال أن ديوان “هذي أنا القبّرة” كان أول منتج لإيمان أسيري، وجاء حاويًا لنصين على شكل قصيدة التفعيلة، مؤرخين بتاريخين سابقين للنص الذي جاء على شكل قصيدة النثر، فورد أولهما “أتيتكم” مؤرخًا بعام 1969، في حين جاء الثاني “تعرجات عند منعطف الشوق” مؤرخًا بعام 1970، في حين أن نصها الأول على هيئة قصيدة النثر “الولادة في الشهر الذي لا ينتهي” أُرّخ بعام 1973.

ريادة قصيدة النثر

يضع الجابري -أثناء محاضرته- التي حملت عنوان “قصيدة النثر في البحرين: سوسيولوجيا النشأة والصيرورة” سؤالاً عن مدى الوعي بهذا الشكل عند الشاعرة أسيري حال كتابته، أكانت تعي وقتها أنها تكتب نصًّا يلتزم شكلًا للشعر يدعى “قصيدة النثر”.

انطلاقًا من البداية المبكرة لقصيدة النثر في البحرين، مقارنةً بالخليج العربي، قدم الباحث رؤية شاملة عن نشأتها
 

وبمعزل عن هذا السجال يؤكد الجابري على أن هاتين المحاولتين الأوليين شكّلا علامة بارزة أولى في خط نشأة قصيدة النثر في البحرين، يرافقهما في الخليج العربي تجربة سيف الرحبي في مجموعته “نورسة الجنون” 1980، وظبية خميس في “منازل الخطوة الأولى” 1981، وزاهر الغافري في “أظلاف بيضاء” 1983، وسماء عيسى “ماء لجسد الخرافة” 1985.

يقول الجابري: “انطلاقًا من هذه البداية المبكرة لقصيدة النثر في البحرين، مقارنةً بالخليج العربي، ألج إلى مسألة النشأة، من وجهة ربطها بالجانب السوسيولوجي لمجتمع البحرين، مستندًا إلى فرضيّة أن منتجي هذا الخطاب يشكّلون جماعة اجتماعية لها مواصفاتها ووضعها الاجتماعيّ اللغويّ الذي أسهم في تشكيل خطابها وتسويغ نشأته”.

ويتابع “أفترض أن خطاب قصيدة النثر قد تشكّل في البحرين نتيجة لجملة ظروف سوسيولوجية كوّنت الوضع الذي نشأت فيه ثقافة منتجيه، ثم إن هذه الظروف بلورت لهجة لها ملامح خاصّة بهم بوصفهم ‘جماعة’ اجتماعية مفارقة للجماعات الأخرى التي تتماس مع الخطابات الأدبية السائدة، فإذا رجعت إلى تواريخ بدء قصيدة النثر فإنه يمكن في حقبة السبعينات والثمانينات رصد متغيرين أساسيين مسّا معطيات الأيديولوجيات المشكّلة للوعي؛ ظهور النفط ونشأة مجلس التعاون الخليجي”.

متغيران اثنان

يلفت الجابري إلى أن هذين المتغيّرين (ظهور النفط ونشأة مجلس التعاون الخليجي) أنتجا تحوّلات كبيرة في المجتمع البحريني، كما هو الشأن في مجتمعات الخليج العربي الأخرى، فظهرت جملة معالم سوسيولوجية جعلت النظر في هذه المجتمعات يأخذ منحى أكثر انسجامًا؛ إذ تحوّلت المجتمعات التي كانت تتشكّل من قبائل متفرّقة لها مناطق سيادتها، إلى مجتمعات تحكمها دول ذات سيادة على جميع مناطق نفوذها، ويطبعها طابع متقارب في الحكم أقرب إلى الشكل الملكي”.

ويتابع الباحث “أصبحت مجتمعات هذه الدول مجتمعات يسودها وعي منسجم، أنتجته جملة من الظروف المعيشية الموحّدة التي تؤطرها الدولة بمؤسساتها الحديثة، واختفى منها أيضًا الطابع الحزبي الذي كان له حضوره الواقعي في دول كالبحرين وعُمان والكويت ودبي والمنطقة الشرقية من السعودية، وبخاصّة بعد أن ساعد ظهور النفط في تراجع الأسباب الاقتصادية الداعية له؛ إذ كانت هذه الأسباب أحد أهم دواعي الحضور الحزبي ومروجات انتشاره، فكان تدني المستوى المعيشي، والجهل والأمية، وتدني الرعاية الصحيّة، أهم ما استخدمته الأحزاب، وبخاصة اليسارية منها، في ترويج حضورها بين عامة المجتمعات، وإن بقي تأثيرها الأيديولوجي في مستوى الوعي النخبوي”.

خطاب قصيدة النثر تشكّل في البحرين نتيجة لجملة ظروف سوسيولوجية كوّنت الوضع الذي نشأت فيه ثقافة منتجيه
 

 وعن تطورات الحالة السوسيولوجية بعد النفط في الخليج يقول الباحث “أتاح مبدأ الريع في الخليج العربي وجود مجتمعات لها قدرة رفاه متفوّقة على غيرها من المجتمعات العربية، وارتبط هذا الرفاه غالبًا بعلاقة الفرد بالمؤسسة السياسية؛ كونها المؤسسة التي تُمسك بزمام توزيع الثروة وفق مبدأ الريع؛ ولذا تحدّد وجود المركز والهامش في هذه المساحة الاجتماعية بناء على العلاقة بهذه المؤسسة”.

ويوضح الجابري بأن “المؤسسة السياسية عملت على توفير رفاه ماديّ لهذه الجماعة يمّيزها عن غيرها من الجماعات والأفراد، بالدرجة التي تضمن بقاءها ضمن علاقة الموالاة، كما تضمن عدم حاجتها إلى مصدر دخل لا تتحكم فيه المؤسسة السياسية، ويبدو هذا واضحًا في الجماعة المنتمية إلى المؤسسة الدينية في الخليج العربي انطلاقًا من حاجة المؤسسة السياسية إليها لبسط النفوذ الأيديولوجي على مساحة اجتماعية يحتلّ الدين فيها مكانة مركزية. في حين يبدو مظهر شيوع الخطاب أكثرَ وضوحًا لدى كل الجماعات المنتمية إلى دائرة المركز، وهو أمر يُفهم في إطار ما يحققه شيوع خطاباتها من خدمة للمؤسسة السياسية في ترسيخ نفوذها؛ ولذا يحظى الخطاب الجماليّ المنتمي إلى دائرة المركز بشيوع كبير في هذه المساحة الاجتماعية”. 

ويعود جزء كبير من هذا الشيوع، وفق الجابري، إلى وجود رعاية إعلامية من قبل المؤسسة السياسية، تمثّل جزء مهم منها في الجوائز المالية الكبيرة التي خصصت له، كجائزة “شاعر المليون” المخصصة في الإمارات للشعر الشعبي، و”شاعر الرسول” المخصصة في قطر للشعر العمودي، ومثلها في الإمارات “أمير الشعراء”، وفي الكويت “جائزة البابطين”، وما يرافق كل ذلك من احتفاء إعلامي، شأنه شأن المناسبات العامّة المرعية من قبل المؤسسة السياسية.

وفي المقابل، يرى الجابري بأن المنضوين في دائرة الهامش بعيدين عن المظهرين الملازمين للمركز، فلا يتوافرون على رفاه مادي إلا بالقدر الذي يتيحه لهم وجودهم ضمن المساحة الاجتماعية للخليج.

15