مبارك وساط: في ذاتي يوجد آخرون فأنا شخص آخر أيضا

الجمعة 2014/10/24
مبارك وساط: أنا لا أكتب شعرا "أوتوبيوغرافيا" خالصا

مبارك وساط شاعر ومترجم مغربيّ. وُلِد مبارك سنة 1955 بالمغرب، صَدَر له، في الشِّعر“على دَرَج المياه العميقة” (الدّار البيضاء، 1990)، و”مَحفوفًا بأرخبيلات”، يليه “راية الهواء” (الرّباط، 2001). و”فراشة من هيدروجين (بيروت2008، ) و”رجل يبتسم للعصافير” (بيروت- بغداد،2011). وآخر إصداراته في مجال التّرجمة: «نادجا»، لأندري بريتون (بيروت- بغداد).

يعد مبارك وساط من التجارب الشعرية البارزة في المغرب، وفي كتاب القصيدة العربية الحديثة، بشفافية فراشة من هايدروجين يكتب نصوصه الضاربة في العمق بحساسيتها الناعمة. “العرب” كان لها مع الشاعر هذا الحوار عن تجربته الشعرية وواقع الكتابة والثقافة في المغرب والوطن العربي.


الطفولة المتمردة


جلّ الشعراء يعتبرون الطفولة الجرّة التي ينهلون منها على الدوام، والريشة التي ينحتون بها ملمحهم المتفرد المختلف، عن الشعر والطفولة، ولحظة مكاشفاته الشعرية الأولى، يقول وساط: «تولَى مرحلة الطّفولة أهمّيّة خاصّة من طرف كتّاب كثيرين، حين يتحدّثون عن المنابع التي يمتحون منها في عمليّة الإبداع، خاصّة في المجال الرّوائيّ. وفيما يخصّ الشّعر، يمكن القول بأنّه يحتفي، إلى أبعد الحدود، بلغة الطّفولة، ما دامت القصيدة ليست بالضّرورة تحت سلطة العقلانية الفظّة. وقد دفعني سؤالك هذا إلى استقصاء سريع لمدى حضور الطّفولة ولغتها في عدد من قصائدي الأخيرة».

ويضيف قوله:«وبعيدًا عن التّنظير أو محاولة التّفسير، اكتشفتُ أنّ لتلكالفترة المبكّرة من حياتي حاضرة على المستوى الظّاهر لعدد من القصائد المُشار إليها. أكتفي، ها هنا، بمثالين عمّا ذكرت، استقيتُهما من قصيدتين مختلفتين: « قرْية جدّتي… : بُيُوتُها تدور حول صرخة/ (…) كنتُ متشوّقاً لزيارتها، بعد أن حَكَتْ لي الجدّة/عن طفولتها في أرجائها، وكيف أنّ / دوران بيوتها كان يجعلُ الطّواقي التي /يعتمرها أهلُها /تضيء لهم سُبلَهم في الليالي الحالكة، ويُمكِّنُ دجاجاتِها / من أن تُقوقئ بالعديد/ من اللغات الأجنبيّة…».

مكانة قصيدة النثر لم تعد مثار جدال، فقد أصبح لها إنجازات. وهي من الشعر مهما يكن مظهرها الخارجي

كما يستذكر الشاعر نصا آخر له ينهل من عوالمه المبكرة البسيطة :«… كِرامٌ نحن وأطفال وسعداء/ ولم نعد مغروسين بين نباتات الحُرَّيقة/ كما كُنَّا عليهِ في واحدٍ من أوائل/ أحلامي/ وها نحن نمدحكِ يا من اختفتْ وكَمْ ودِدْنا/ لو دغدغنا إبطك الأيمن/ فقد عَرَفْنا أنَّكِ جدّتُنا بعد أن سمعناك ذاتَ ليلة/ تُعلّمين رُضّعًا كيف يصطادون/ شُهبًا بالشِّباك…».

إذا انتقلنا إلى نطاق أعمّ فيما يخصّ ما يتبقّى من عالم الذات الأول، الطفولة الساكنة في الأعماق النّفسيّة للكائن، الذي هو مبارك وساط، يُؤكد الشاعر أنه، وفي حدود قدراته على استبطان أعماقه، هنالك أمران أساسيّان بقيا لديه من تلك الفترة من حياته التي أضحت بعيدة الآن. وهذان الأمران متلازمان، وهما: رفض الظُّلم، والنّزوع إلى التّمرّد.

يروي لنا في هذا السّياق، قصّة مثيرة ومضحكة، يتذكّرها من زمن طفولته، يقول: «بالنّسبة لي كما لأبناء جِيلي، كنّا، قبل الانتساب إلى المدرسة، ندخل الجامع، وهكذا حدثَ أن وجدتُ نفسي بين جماعة من الأطفال، نجلس قبالة الفقيه الذي نُسَمّيه “الطّالَب”، ونقرأ في ألواح أشياء غامضة، وكان هذا “الطّالب” لا يبخل علينا بما كان يُعرَفُ عندنا بـ”الشّحط”، والذي هو عبارة عنْ ضربِ بقضيب مقتطع من شجرة صلب، ونزوله على الجِلد مؤلم أيّما إيلام».

ويتابع قوله:«حدثَ أن تعرّضتُ للضّرب مرّاتٍ عِدّة، وتجاوز الأمر حدود ماأطيق، فبادرت إلى رفض العودة إلى الجامع… وبعد بضعة أيّام، بدا لي “الطّالَب”واقفا أمام “كونطوار” أحد المتاجر، وسط جمع من الزّبائن، وكان يلبس جلابية من الصّنف الممتاز، جديدة ولا شكّ، فدلفتُ إلى أحد المتاجر واشتريْتُ مقصًّا بنقود كانت لديّ، وانسللت إلى الدّكّان الذي كان يوجدُ به “الطّالَب”، ووقفتُ وراءه مباشرة. ثمّ انصرفت، بكلّ اطمئنان، إلى إعمال المقصّ في جلابية الفقيه، جزاء له على ما كان قد اقترفه في حقّي».


الأنا شخص آخر

الشعراء بالنسبة لمبارك وساط "أطفال سعداء"


عن الشعر والأدب عامة بين الذات والآخر، يقول وساط: «أنا لا أكتبُ شعرا “أوتوبيوغرافيا” خالصا، وهذا مستحيل حتّى لو رغبتُ فيه. فحتّى التّحليل النّفسي يعتبر أنّ للآخر حضورًا في البنية النّفسيّة للفرد، كما يتبدّى ذلك، مثلا، من خلال ما يُسمّى في نطاق ذلك الفرع من المعرفة بـ”اجتياف صورة الأب”، ومعنى ذلك دمج صورة الأب – صورة، بمعنى مجازيّ طبعا- في البنية النّفسيّة للطّفل بشكل لاشعوري، بحيثُ يتشكّل لديه الأنا الأعلى. وسواء تعلّق الأمر بتكويننا الثّقافيّ أو بتجاربنا الحياتيّة، فإنّ للآخر، دائما، حضوره الأكيد، وقديمًا قال رامبو: “الأنا شخص آخر”. ألخص فكرتي في ما يلي: في الذات التي تكتب، يوجد الآخرون أيضا».

عن دور الكاتب اجتماعيا وثقافيا ومعرفيا، خاصة في خضم ما تشهده المجتمعات العربية من حراك تحرري، يعده البعض منقوصا من الوعي رغم أحقيته، يعتقد مبارك وساط أنّ للكاتب دورا في الشّأن العامّ باعتباره مواطنًا، من خلال ممارسته الاجتماعيّة ذات البعد السياسيّ، والتي قد تتّخذ هذا الشّكل أو ذاك، أمّا القصيدة، فيرى وساط أن قرّاءها ليسوا بالكثيرين، خاصّة في مجتمعاتنا التي تنخرها الأمّيّة، وحتّى الذين يقرؤون أدبًا في مجتمعاتنا هذه، فهم يبحثون فيها عمّا يستجيب لرغبتهم الجماليّة، وإن كان هنالك ترابط بين الجماليّ والواقعيّ والسّيّاسيّ.

يضيف محدثنا مبارك وساط قوله: «إن الشّاعر، كمواطن، ينخرط في ممارسة تنبثق من قناعاته الشّخصِيّة. فيما يخصّني، أعتقد أنّ ذلك التّناقض الفادح بين عرامة الحراك التّحرّري وتدنّي الوعي السّيّاسي، هو ما تنجم عنه تلك الظّواهر المشوهة، مثل ما نراه في ليبيا الآن. فبعد ثورة على الدّيكتاتوريّة، كنّا ننتظر منها أن تُدخل ليبيا إلى عالم الدّيمقراطيّة والحداثة والتّقدّم، ما الذي حدث؟ الكابوس الذي نعرفه جميعًا. لذا يجدر بنا العمل، بالسّبل المتاحة، على محاربة تدنّي الوعي ذاك، الذي لا تنجم عنه إلا الكوارث».

عمّا يشهده الشعر العربي من تيارات حداثية، تتقدمها قصيدة النثر التي فتحت له آفاقا واسعة ومهمة جدا، لكنها آفاق خطيرة أقحمته في مساءلة الأجناس، ثم إن الحداثة ذاتها باتت عند البعض مجرّد تغريب، يقول وساط: «أعتقد أنّ مكانة قصيدة النّثر لم تعد مثار جدال، فقد أصبح لها تاريخ وإنجازات. وقصيدة النّثر هي، بالطّبع، من الشّعر مهما يكن مظهرها الخارجي، أي سواء كانت مكتوبة على شكل أبيات متتالية أو في صيغة كتلة نثريّة. وأشير هنا إلى أنّ مسألة تجاوز التّقسيم إلى أجناس واعتناق “الكتابة” كانت ممّا دعا إليه كتّابٌ فرنسيّون في فترة ما، أمّا التّغريب المحض، بمعنى اقتلاع القصيدة من تربتها اللغويّة بشكل قسريّ، اجتثاثيٍّ، فسوف يبدو نشازا ولنْ يكون له استمرار أبدا».

كلنا نعلم أن ما يكتب اليوم في الشعر والأدب المغربي فند مقولة “المغرب بلد محصور في النقد”. لكن هنالك إشكالات تواجه الأدب المغربي والعربي عامة، كالنشر والهوية وغياب القراء، عن آفاق الشعر المغربي في ظل هذه الإشكالات، يقرّ مبارك وساط بأن هذه المشاكل تواجه الأدب المغربي والعربيّ عامّة. ولنا أن نناضل ضدّها، بحسب المستطاع. فما ينبغي، في رأيه، هو ألا يدفعنا السّأم أو اليأس إلى الضجّر من عمليّة الكتابة نفسِها. فمهما يكن من أمر، لا ينبغي أن يموت فينا الشّغف بالأشياء الجميلة، والكتابة، ولا شكّ، أهمها.

15