مبالغة الأم في علاقاتها بأبنائها تفرض العزلة الأسرية على الأب

وجود ارتباط نفسي غريزي بين الأم وأبنائها يكون دائما في صالح الأسرة لأنه يخفف من حدة التوتر داخلها خاصة بين الأب وأبنائه إذا حدث احتكاك نفسي.
الثلاثاء 2019/07/23
حضور طاغي للأم وغياب واضح للأب

في العديد من المواقف يجد الأب نفسَه آخر شخص في العائلة يعلم بالقرارات، وليس تلك التي تهم الحياة اليومية والتي تعد من الأمور الروتينية بل حتى القرارات المصيرية التي لها تأثير كبير على حياة الأبناء. ويحذر الأخصائيون من أن إلغاء وجود الأب -أو محاولة ذلك- حتى من دون قصد قد يؤثر على توازن الأبناء ويضر بسلامة علاقتهم مع والدهم، وهو أمر قد يهدد توازن الأسرة واستقرارها.

القاهرة- مسكين رب الأسرة، قدره أن يكد ويشقى لتوفير لقمة العيش والرفاهية لأبنائه وزوجته الذين أصبح بينهم تحالف غريب، ويزعمون أنه من أجل المصلحة بشرط ألا يخل بدور هذا الأب ليبدو في النهاية أمام الغرباء وكأنه صاحب القرار في أسرته، رغم أنه أصبح في الحقيقة غريبا في بيته الذي يحل عليه ضيفا لساعات قليلة يأكل فيه أحيانا وينام. كما أصبح آخر من يعلم بالقرارات التي تتخذ في غيابه؛ سواء تعلق الأمر بغراميات الأبناء أو باختيارهم لشركاء العمر وأصدقائهم وملابسهم أو بتحديد مصائرهم بالتعليم أو حتى بما يرتكبونه من أخطاء، كلها أشياء وأحداث يعايشونها مع أمهم لحظة بلحظة والأب خارج نطاق هذه الدائرة!

تقول نشوى ماجد، وهي طالبة جامعية، “أمي هي المسؤولة عن اختيار ملابسي، وأبي يوكل إليها هذه المسألة فهي تتمتع بذوق عال جدا، وشرائي لها لا يتم إلا عندما نتفق أنا وهي مسبقا على كل تفاصيل ما سنشتريه، ثم نخرج للشراء الذي لا يعلم عنه أبي شيئا”. وتتابع “بالإضافة إلى ذلك فإنه لا يعلم عن أصدقائي سوى القليل بينما أمي تعرفهم جميعا ودائما أصحبها معي إذا دعتني إحداهن لحضور احتفال”.

وتؤكد أنه “حتى أثناء تكريمي في الجامعة ضمن المتفوقين لم أجد سوى أمي التي أراها الأقرب إلى نفسي وعقلي وقلبي، وهذا ليس بدعة فمن المعروف أن الأم هي الأقرب إلى ابنتها، وأنا سعيدة بذلك”.

وترى منال العراقي، الطالبة في الثانوية، أنه من الطبيعي أن تكون الأم مستودع أسرار بناتها وربما أسرار أبنائها الذكور أيضا. وتؤكد على ذلك بقولها “مثلا أخي الأكبر عاش قبل زواجه قصة حب مع زوجته كانت أمي شاهدة على فصولها وأحيانا همزة الوصل بينهما بسبب صداقتها لأمها، وكانت تخرج معهما أثناء لقاءاتهما العاطفية، كل ذلك وأبي لا يعلم شيئا إلا عندما أخبرته أمي بأن أخي يرغب في خطبتها، وفوجئت برفضه لأنه يرغب في أن يتزوج فتاة أخرى، وبعد مناوشات سلم بالأمر الواقع”. وتتابع “أرى أن ذلك كان انتصارا حقيقيا لأخي وأمي في مواجهة أبي الذي يتقبل هذه الأمور بصدر رحب!”.

الأم مستودع أسرار أسرتها
الأم مستودع أسرار أسرتها

ومن وجهة نظر هيثم مراد، الذي يعمل مدير علاقات عامة، لا يجب أن يفرط الأب في دوره لصالح الأم “وقد أعطاه الله حق القوامة عليها والأسرة كلها”، ومهما كانت مسؤوليات الأب فإنها لا تعفيه من المسؤولية والتقصير في حق نفسه أولا، ثم في حق أبنائه وأسرته، ولا يلومن إلا نفسه.

ويعتبر مراد أنه مهما كانت حقوق الأم على أبنائها فلا يحق لها أن تستقطبهم إليها على حساب ارتباطهم بأبيهم. ويضيف “أحد زملائي في العمل لا تتورع زوجته عن إخفاء أخطاء أبنائه عنه، التي كان يعلمها بالمصادفة وهو ما كان يضعه في مواقف محرجة، لكنه كان يتحمل وعندما سألته عن السبب أخبرني بأنه يستحق كل ذلك وأكثر لأنه منذ البداية اتفق معها على أن ترعى أبناءها في كل صغيرة وكبيرة حتى يتفرغ لتوفير احتياجات الأسرة المادية!”.

وينتقد الدكتور عادل أحمد -أستاذ علم النفس- انتشار هذه الظاهرة الغريبة عن دور الأم في التقريب بين أفراد الأسرة وعن مجتمعاتنا العربية، مؤكدا وجود ارتباط نفسي غريزي بين الأم وأبنائها دائما في صالح الأسرة لأنه يخفف من حدة التوتر داخلها خاصة بين الأب وأبنائه إذا حدث احتكاك نفسي.

ويفيد بأن الأم بتصرفها ذاك تعيد العلاقات النفسية بين أفراد العائلة إلى سابق عهدها لأن الأب إذا عاقب أحدهم دائما يحدث توتر وقتي، فمنذ الأزل يرتبط دور الأب ومكانته النفسية لدى أبنائه بالسلطة والضبط والسيطرة والردع النفسي.

ويؤكد الدكتور أحمد أنه بالإضافة إلى ذلك تحتوي الأم أبناءها نفسيا ربما بتخفيف الضغوط النفسية عنهم إذا تعرضوا لمشكلات سواء داخل الأسرة أو خارجها، لكن أحيانا قد يحدث أن يتضخم دور الأم لتتدخل في كل شؤون أبنائها، مما يعمل على خلق ارتباط نفسي قد يراه الأبناء تعويضا لدور الأب.

ويقول أستاذ علم النفس إنه “وضع غير مقبول، فإذا كان متعمدا فهو دليل على عدم اتزان الأم النفسي، وأنها تعاني من الأنا داخلها، وتصبح النتيجة وجود جو نفسي غير صحي داخل الأسرة لأن ذلك يؤدي إلى تفتيت الروابط الأسرية”.

ويستدرك “لكن ما نؤكد عليه أنه إذا افترضنا حدوث هذه الظاهرة داخل أسرة معينة، فإنها لا تحدث لدى الأبناء جميعهم وبدرجة واحدة لأن البعض منهم قد يشفقون على الأب ويحدثون رد فعل نفسيا عكسيا في صورة ميل نفسي نحو الأب بالتعاطف معه”.

 الأب خارج نطاق دائرة غراميات الأبناء أو اختيارهم لشركاء العمر أو أصدقائهم أو ملابسهم أو تحديد مصائرهم بالتعليم 

بينما تؤكد  الدكتورة نجلاء عادل، أستاذة علم الاجتماع، أن هذه الظاهرة ليست معاصرة فقد سادت قديما من خلال ظهور المجتمعات البشرية التي تنتسب إلى الأم كتعبير اجتماعي وإنساني عن شدة الارتباط بها مقارنة بالمجتمعات الأبوية التي كانت مرحلة تالية.

وترى أن أهم أسباب هذه الظاهرة أن ظروف الحياة أوكلت إلى الأب منذ بداية الحياة البشرية مهمة الكد والتعب لتوفير لقمة العيش للأبناء والأم، وهو ما كان يقابله بقاؤها في منزلها بخلق ارتباط إنساني اجتماعي بينها وبين أبنائها دعم الارتباط المادي والغريزي الذي كان خلال مرحلة الحمل والرضاعة.

أيضا ساهم التلفزيون والفضائيات في خلق وانتشار هذه الظاهرة بالترويج لصورة الأب القاسي والمهمش داخل أسرته، عكس الأم الحنون التي تعتبر غطاء وسترا لأبنائها. وبصفة عامة فإن الأصل هو توزيع الأدوار الاجتماعية والأسرية بين الأم والأب مع تكامل دوريهما، لكن أحيانا تفرض مبالغة الأم في علاقاتها بأبنائها نوعا من العزلة الأسرية تجاه الأب في بعض الأمور دون أن تسعى لإيجاد نوع من التوازن لدى الأبناء.

 وقد أشارت نتائج البحوث الاجتماعية إلى أن أكثر الأسر معاناة من التفكك الأسري هي التي تسود فيها ظاهرة استقطاب الأبناء من قبل الأم غالبا ومن قبل الأب نادرا. وينصح الخبراء والأخصائيون دائما الأم بأداء دور تنشيط علاقة الأب بأبنائه، سواء في حضوره أو في غيابه، بأن تذكره دائما بضرورة إيجاد تواصل بينه وبين الأبناء.

21