مباني القاهرة معرض إيطالي للمشاهير

مشروع الفنان الإيطالي كارمينيه كارتولانو يهدف إلى إعادة صوغ المجال العام الذي يتشارك فيه الجمهور المتعطش للجمال والمشاركة في تحقيقه.
الأربعاء 2020/01/29
معرض خيالي للمارة

على عكس ما يعتقده بعضهم من أن الشعوب العربية تسعى فقط إلى كسب لقمة العيش، فإن هذه الشعوب تشترك رغم الظروف الحياتية الصعبة في تعطشها للفن، تعطش نكتشفه في حاجات الناس إلى الجمال وترحيبهم به ما أن يصادفهم، فكم من حفلة موسيقية أو عمل فني أو رسم أو غيره قدم في الشارع وتحلق حوله الناس بسعادة، وهذا ما يسعى إليه الفنان الإيطالي كارمينيه كارتولانو في القاهرة من خلال توفير مواد فنية للناس في الشوارع على واجهات البنايات.

 مشروع غرافيتي متخيل، هو عنوان المعرض الذي تستضيفه قاعة مشربية للفنون في القاهرة حتى نهاية فبراير لأعمال الفنان الإيطالي كارمينيه كارتولانو.

ويضم المعرض ما يزيد عن 200 مطبوعة وصورة فوتوغرافية يمزج خلالها الفنان بين أدوات وسائل التواصل الاجتماعي، وصور فوتوغرافية لمدينة القاهرة وأخرى لنجوم السينما المصرية والعالمية.

صور متخيلة

سبق لكارمينيه كارتولانو أن أقام أكثر من أربعة معارض فردية، بالإضافة إلى مشاركاته المختلفة في العروض الجماعية بين القاهرة وإيطاليا. تعتمد أعمال كارمينيه كارتولانو على الصورة الفوتوغرافية، فهو يوظفها في معظم أعماله في إطار ساخر وخيالي، يضيف إليها باللون تارة، ويعالجها تارة أخرى عن طريق برامج التعامل مع الصور.

في هذا المعرض قام كارتولانو بالتقاط العشرات من الصور الفوتوغرافية للعديد من المباني المهملة في وسط القاهرة، وعالجها بواسطة برنامج “فوتوشوب” لم يغير الفنان في هيئة المباني، أو يضيف محسنات وتأثيرات على المشهد، واكتفى فقط بإضافة صور فوتوغرافية لنجوم السينما المصرية والعالمية متخيلا إياها وقد تم رسمها أو طباعتها على هذه المباني.

الغالبية العظمى من نجوم السينما الذين اختارهم كارتولانو ممن تصدروا شاشات السينما بين حقبتي الأربعينات والسبعينات، وباتوا يشكلون اليوم إرثا بصريا مشتركا، ليس في مصر والعالم العربي  فقط، بل في العالم أجمع. هذه الصور التي شكل أصحابها وعي الملايين حول العالم باتت اليوم مثيرة للحنين، وباعثة للذكريات. من أجل التأكيد على هذه الأجواء العاطفية التي تنطوي عليها هذه الصور حاول كارتولانو أيضا في معالجاته الاقتراب من روح اللوحات الإعلانية القديمة وأفيشات الأفلام السينمائية.

بين هذه الصور مثلا نرى صورة كبيرة للسيدة أم كلثوم مطبوعة على واجهة إحدى البنايات المرتفعة في منطقة المُنيرة الشهيرة، وفي صورة أخرى نرى النجم الهوليودي “فريد أستير” وهو يتراقص على واجهة أحد المباني في منطقة لاظوغلي المكتظة بالسكان، والقريبة من وسط القاهرة.

بدأ الفنان الإيطالي مشروعه هذا قبل شهور بنشر بعض صوره تلك على موقعي فيسبوك وإنستغرام، وأدهشه هذا الترحاب الكبير من قبل متابعيه بهذه الصور، ما يعكس رغبة الناس كما يقول الفنان في استعادة رونق المدينة والذوق العام الذي تمتعت به القاهرة في وقت من الأوقات، ويفتقدونه اليوم أمام سطوة التشوه العمراني وخاصة الإهمال الذي لحق بالعديد من مباني وسط القاهرة وأحيائها القريبة، هذه الأحياء التي مثلت عبر عقود المكان المفضل لأبناء الطبقة الوسطى والأجانب المقيمين في مصر. تستعيد هذه المعالجات الغرافيتية شيئاً من جمال الخمسينات والستينات، وتؤكد أيضا على أهمية دور السينما كرصيد بصري مشترك في مدينة كالقاهرة، والتي يصفها البعض بهوليوود الشرق.

الخروج إلى النور

فنانون عالميون يتحولون إلى إرث بصري مشترك متاح للجميع
فنانون عالميون يتحولون إلى إرث بصري مشترك متاح للجميع

يهدف المشروع كما يقول الفنان إلى إعادة صوغ المجال العام الذي يتشارك فيه الجمهور، وهو جمهور متعطش لرؤية الجمال والتطلع إلى المشاركة في تحقيقه كما يقول الفنان. هذا التناقض المتمثل في دمج الصور الملونة بألوان ناعمة مع الدرجات اللونية للجدران الإسمنتية وملمسها الخشن كان له وقع آسر على المشاهد، فهو يعطي بُعداً مختلفاً للمكان ويضفي عليه رونقاً محبباً وحضوراً طاغياً للصورة الفوتوغرافية داخل الفضاء العام. لم تقتصر هذه المعالجات الفوتوغرافية على واجهات المباني الكبيرة فقط بل امتدت إلى أجزاء من الشوارع الجانبية والتي تُستخدم عادة كممرات للعبور بين الشوارع الرئيسية.

امتدت يد كارتولانو أيضاً إلى الأحياء البعيدة عن مركز المدينة، والتي طالها النصيب الأوفر من الإهمال والتشوه على مر السنوات. يمزج كارمينيه كارتولانو في مشروعه هذا بين مشاهد القبح والعشوائية التي طالت أطراف المدينة وبين صوره التي ينتقيها بدقة لتكون مناسبة لأجواء المكان، إذ تشعر أن هناك حواراً قائماً بين الصورة والمحيط الذي وضعت فيه، وهو ما نجح الفنان في تحقيقه مثلاً في صورة سعاد حسني وفريد أستير.

من بين نجوم السينما الذين اختارهم الفنان نرى مثلا صورة كبيرة تجمع بين النجمين عمر الشريف وفاتن حمامة على أحد المباني الشهيرة المطلة على ميدان التحرير، وأخرى تجمع بين حسين فهمي ومرفت أمين، ومن نجوم السينما العالمية نرى كاري غرانت وجينا لولو، وغيرهما من نجوم هوليوود.

ولا شك أن صور نجوم السينما تمثل جزءا من الهوية المحلية والعالمية، وتوظيفها على هذا النحو يستفيد بهذه اللغة البصرية المشتركة، فهي صور مألوفة ولا تتسم بالغرابة، ما يخلق علاقة وجدانية وحميمية معها.

هي صور تحمل روح الإعلان لكنها ليست إعلاناً ترويجياً، فعلاقتها بالمكان وبالمارة من حولها تضعها في إطار العمل الفني. هكذا يمكن للمدينة أن تتحول إلى ما يشبه المتحف كما يقول كارتولانو، وهو متحف مفتوح ومتاح للجميع، ما يشكل إضافة حقيقية للمكان، ويقرب المسافة بين المشاهد العادي والعمل الفني، وهي أمور تُميز فن الغرافيتي عن غيره من الفنون الأخرى، فهو فن الشارع في المقام الأول، والمساحات العامة تمثل بيئته الطبيعية.

 يسعى الفنان الإيطالي إلى خروج مشروعه هذا إلى النور، وبدلاً من كونه مجرد صور تخيلية يحلم أن يتم تنفيذه بالفعل في الواقع، وهو يسعى حاليا للتواصل مع الجهات التي يمكن أن تساعده على تحقيق ذلك الحلم. المشروع من وجهة نظر الفنان الإيطالي يحقق المعادلة الصعبة في الخروج بالفن خارج إطار الأماكن التقليدية للعرض ما يساهم في كسر هذه الحالة النخبوية التي يتسم بها.

ترك أثر

غرافيتي افتراضي
غرافيتي افتراضي

بمشروعه هذا ربما يستطيع الفنان الإيطالي كارمينيه كارتولانو إضافة لمسة جمالية مختلفة إلى مدينة القاهرة، تضاف إلى لمسات أسلافه من الإيطاليين الذين مروا على هذه المدينة وتركوا أثرهم عليها، فبين المعماريين الذين كان لهم دور هام في تشكيل وسط القاهرة، أو ما يعرف تحديدا بالقاهرة الخديوية التي تأسست في نهاية القرن التاسع عشر كان للمهندسين الإيطاليين دور فاعل بينهم، حيث تستقر أعمالهم المعمارية حتى اليوم كأحد المعالم الهامة لمدينة القاهرة.

كثيرون هم الفنانون الإيطاليون المؤثرون في تاريخ مصر نذكر من بينهم على سبيل المثال المعماري ماريو روسي، الذي كانت له بصمات واضحة على العمارة الإسلامية في القاهرة، وكان كبير مهندسي وزارة الأوقاف في فترة الثلاثينات والأربعينات، وكذلك جوزيبي ماتسا الذي وضع لمساته على العديد من المباني السكنية في وسط القاهرة.

يُذكر أن الفنان الإيطالي كارمينيه كارتولانو يعيش متنقلاً بين مصر وإيطاليا منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، وهو يعمل في القاهرة في تدريس اللغة الإيطالية، وله إسهامات عدة في مجال الترجمة بين اللغتين الإيطالية والعربية، كما أن له رواية باللغة العربية صادرة في القاهرة تحت عنوان “مومو” وهي رواية تدور أحداثها في المستقبل يقوم فيها البطل بالهجرة إلى مصر من أجل العمل. تتخيل الرواية وضعا معكوسا للهجرة من أوروبا إلى الشرق في مستقبل تتغير فيه الأوضاع وينعم فيه الشرق بالرخاء.

15