مباهج مولد رئيسة الديوان تصفي قلوب المصريين

عمّت الفرحة الشعبية في احتفالات المصريين بمولد السيدة زينب، في مقامها ومسجدها الذي يحمل اسمها، وسط القاهرة، حيث تكتسب الاحتفالات رونقا مميزا، تتمازج فيه الجوانب الروحانية بما هو دنيوي، لتشكل أجواء قد يصعب وجودها في مكان آخر غير مولد السيدة “أم هاشم”.
الخميس 2015/05/14
حلقات الذكر تغسل النفس من الأحزان وتصلح في حالات كثيرة لأن تكون علاجا نفسيا

القاهرة - خلال الاحتفالات بمولد السيدة زينب، المستمرة عدة أيام وسط القاهرة، تضيق الشوارع المحيطة بالمسجد الشهير بعشرات الآلاف من مريدي السيدة التي تحمل كتب التراث أسماء عديدة أطلقها عليها المصريون، منها “الست” و”المشيرة” و”أم العواجيز” والتي تعني الأم الحاضنة لكل العاجزين والمحتاجين لطيبتها ولخيرها الوفير.

وتتضمن هذه الاحتفالات كل ما يمكن لإنسان تخيّله، وخاصة الطقوس الدينية التي تشارك فيها فرق الإنشاد المختلفة التابعة للطرق الصوفية، مثل الشاذلية والرفاعية والخليلية، باعتبار أن مولد السيدة زينب يعدّ بالأساس احتفالا صوفيا مثلما تعارف عليه الناس في مصر منذ مئات السنين.

كما يعد هذا المولد، الذي اختتمت فعالياته مساء الثلاثاء، فرصة هائلة للترويج التجاري، حيث تنتصب في الشوارع الجانبية للمنطقة العريقة ملاه بدائية تجذب الأطفال بألعابها المغرية، وهناك أيضا مئات من الباعة المتجولين الذين يبيعون لزوار المولد كل شيء، بداية من كتب التراث، ومرورا بالملابس والأطعمة والهدايا التذكارية، ووصولا إلى الأحجبة التي تحمل بركة الست وتضمن لمن يشتريها، حسب ما يزعمون، التمتع ببركة أم هاشم ومن ثم يسهل عليه تحقيق كلّ أمانيه.

اللافت أنه من بين عشرات الأولياء والأئمة الذين مروا على مصر، تحتفظ السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب وحفيدة الرسول، بمكانة مميزة جدا في نفوس البسطاء وكثير من المثقفين المصريين، دون أن يملك أحد من باحثي التراث سببا وجيها لذلك.

فالسيدة زينب هي الوحيدة من بين الأولياء الصالحين ممّن عاشوا في مصر التي تم تجسيدها في عمل يعتبر من عيون الأدب العربي، وهي رواية “قنديل أم هاشم” للكاتب الراحل الكبير يحيى حقي.

حلقات الذكر تتيح للمشارك فيها الولوج إلى عوالم روحانية، فتخرجه لفترة معينة من حيز المكان والزمان، بما فيهما من معاناة ومشاكل دنيوية

ويتسابق عشرات الآلاف من المصريين، كل عام، إلى الاحتفال بذكرى مولدها الذي يستمر أياما عدة، لتكون مناسبة استثنائية لنثر عبير البهجة والفرح في نفوس الكادحين والفقراء والأغنياء، سواء من سكان المنطقة التي تحمل اسمها في وسط العاصمة المصرية، أو ممّن شدّوا الرحال من محافظاتهم البعيدة حرصا على ألا تفوتهم المشاركة في مولد رئيسة الديوان كما يطلق عليها الصوفيون.

الشيخ المبتهل عبداللطيف وهدان وهو من مريدي آل البيت يقول لـ”العرب” إن للسيدة زينب دعاء شهيرا دعته لأهل مصر تكريما لهم على حسن ضيافتهم لها، حيث قالت: يا أهل مصر نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله، وأعنتمونا أعانكم الله، وجعل لكم من كل مصيبة فرجا ومن كل ضيق مخرجا.

ويتابع وهدان، أن أهل مصر يحبون آل بيت رسول الله حبا جما، ويحتفلون بمولدهم، ويقيمون الابتهالات الدينية في حب الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن تلك الاحتفالات تمثل نوعا من أنواع التكافل الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء، حيث يحضر الأغنياء الذبائح والأطعمة الكثيرة ويقدمونها للفقراء والمساكين ابتهاجا بمولد السيدة.

من جانبها، ترى الدكتورة هبة العيسوي، أستاذة الطب النفسي بعين شمس، أن الاحتفالات الدينية بمناسبة مولد السيدة زينب، بما تتضمنه من إنشاد ديني وحركات مدروسة للجسد داخل حلقات الذكر، تصفّي النفس من كدرها.

علي الحسيني لـ"العرب": المصريون يحتفلون بمولدهم بطريقة فطرية تعكس البهجة والفرح

وقالت العيسوي لـ”العرب” إن حلقات الذكر تتيح للمشارك فيها الولوج إلى عوالم روحانية، فتخرجه لفترة معينة من حيّز المكان والزمان، بما فيهما من معاناة ومشاكل دنيوية، ليعود وقد غسل نفسه من الحزن والاكتئاب، مؤكدة أن حلقات الذكر بمعناها الروحي تصلح في كثير من الحالات لأن تكون علاجا نفسيا.

المبتهل الديني الشيخ علي الحسيني واحد ممّن لا يستطيعون تفويت الاحتفالات بمولد السيدة سنويا، أوضح لـ”العرب”، أن المصريين أهل سنة ويحبون بطبيعتهم آل بيت النبي، ويحتفلون بمولدهم بطريقتهم الفطرية التي تعكس البهجة والفرح.

ومن أبيات الإنشاد الديني التي يبتهل بها الحسيني في حب آل النبي والتي ينشدها لـ”العرب” قائلا: لآل البيت عز لا يزول، وفضلا لا تحيط به العقول.. يكفيكم من عظيم الشأن أنكم إذا ما قيل جدكم الرسول.

الحسيني روى لذات المصدر، ملابسات قدوم السيدة زينب رضي الله عنها إلى مصر فقال “جاءت بعد استشهاد أخيها الحسين بن علي رضي الله عنه في كربلاء، حيث وصلت إلى مصر في شهر شعبــان من عــام 61 للهجرة، وخرجت لاستقبالها أعداد هــائلة مــن المصريين، وهو ما أثــلج صــدرها وأنــساها أحــزانها علــى استشهاد أبيها وأخــويها”.

يذكر أنّ السيدة زينب أقامت في بيت الوالي حتى وافتها المنية، بعد عام واحد من قدومها إلى مصر يوم 14 رجب من عام 62 للهجرة، ودفنت في ضريح ببيت الوالي، الذي بني مكانه لاحقا المسجد الشهير الحامل لاسمها.

ويروى أن المسجد بني عام 85 للهجرة، في عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي الذي أمر ببنائه واختار النقوش التي كتبت على قبته ومدخله. وفي القرن العاشر الهجري أعاد الأمير عبدالرحمن كتخدا تعميره وبنى مقام الشيخ العتريس الموجود الآن خارج المسجد ونقش على المقصورة “يا سيدة زينب يا بنت فاطمة الزهراء مددك”.

ويلفت الحسيني إلى أن السيدة زينب أقامت في بداية وجودها بمصر في مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية التي تبعد 83 كيلومترا عن القاهرة، قبل أن تنتقل إلى المنطقة الحالية التي دفنت فيها وبني عليها مسجد حمل اسمها مثل المنطقة التي يقع فيها المسجد الذي يعرفه الجميع بميدان السيدة زينب.

20