مبدأ أم "أنصر أخاك"

الخميس 2014/03/27

قرار محكمة مصرية الاثنين الماضي بإحالة أوراق 528 متهما من أنصار الرئيس المصري المعزول محمد مرسي إلى مفتي الديار المصرية، تمهيدا لإعدامهم، هو قرار ملأ الدنيا وشغل الناس. هذا القرار الذي طغى على أخبار بداية الأسبوع أثار موجة واسعة من المواقف والتفاعلات مصريا وعربيا ودوليا. الملفتُ في التفاعل العربي (التونسي مثالا) هو أنه كان تفاعلا مارس انتقائية غريبة على الحدث وعلى دواعيه وتداعياته. نعترفُ أن المسألة شائكة في التعاطي معها، وعسر ولوجها كامن في التداخل بين المبدأ والأيديولوجيا.

أحزاب وجمعيات تونسية عديدة بادرت إلى إصدار مواقف منددة بحكم الإعدام ورافضة لإصداره، وكانت دواعيها في ذلك مختلفة. الثابتُ أن المبدأ يفرض رفض حكم الإعدام أيا كانت أسبابه وحيثيات إصداره، والمنطلق هنا حقوقي إنساني بحت. وهذا المبدأ نفسه يفرض أيضا على كل من يتبناه أن يرفضه في أي مكان من الدنيا ويندد بحكم الإعدام أينما اتخذ.

ربطا بين هذا المبدأ الحقوقي الذي ناضلت وتناضل جمعيات وأحزاب عديدة من أجل إرسائه، وبين ما حدث مؤخرا في مصر نشير إلى أن رفض بعض الأحزاب والتيارات التونسية له، كان مشوبا أساسا برائحة الأيديولوجيا، تلك الرائحة نميزها عندما نتذكّر أن بعض تلك الأحزاب المنددة اليوم بإصدار حكم رأته “جائرا” في حق منتسبين لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، رفضت كذلك التصويت على مقترح إلغائه الذي نوقش صلب مؤسسة المجلس الوطني التأسيسي (مفيد التذكير بأن اللجنة التأسيسية للحقوق والحريات ناقشت الاثنين 11 جوان 2012 مسألة إلغاء عقوبة الإعدام في الدستور التونسي الجديد، وبرز اتجاه أغلبي رافض للمقترح يتكون أساسا من نواب كتلة حركة النهضة باعتبار إلغاء الإعدام يتنافى مع الشريعة الإسلامية).

المفارقة الأخرى المتعلقة بالمسألة الشائكة، هي أن أغلب الأحزاب السياسية (قلة فقط ترفض الحكم من منطلق مبدئي) الرافضة لحكم القضاء المصري، لم تبادر يوما إلى التنديد بارتفاع منسوب العنف في مصر ولم تعبر عن استنكارها لحوادث القتل والتفجير التي مارستها عناصر محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وغياب التنديد يعني ضرورة مساندة مضمرة أو سرية. ولم نسمع هذه الأحزاب نفسها تدين- مثلا- أحداث قصر الاتحادية (الأربعاء 5 ديسمبر 2012) عندما هاجمت عناصر إخوانية المعتصمين أمام قصر الاتحادية احتجاجا على الإعلان الدستوري.

بناء على ما سبق، نقول أن إلغاء عقوبة الإعدام مبدأ إنساني تطالب به جمعيات ومنظمات في كل أرجاء العالم، وهذا مطلب حقوقي إنساني شائع ومشروع، أما ما تقوم به بعض الأحزاب التونسية (ولا شك في أن أحزابا أخرى في العالمين العربي والإسلامي تشاطرها الرؤية الأيديولوجية) فهو موقف سياسي أيديولوجي يغلّبُ الانتماء السياسوي على التصور المبدئي.

الثابت أن القضية تحتاج شيئا من الموضوعية والتنسيب، فمن يأبى إدراج عقوبة الإعدام في الدستور لا يمتلك وجاهة رفض إقرارها في أماكن أخرى، إلا إذا كان رفضه لها من منطلق “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”، وهذا المنطلق الاصطفافي السياسي الضيق بقدر ما يسمح لممتلكيه بالدفاع المحموم عن “نظرائهم” في مصر أو في تركيا أو في أي مكان من الدنيا، فإنه غير جدير بالارتقاء إلى توصيف “المبدأ”.


كاتب صحفي تونسي

9