مبدعات عصاميات يلوّن المنستير التونسية بجماليات التشكيل

للمرأة التونسية دور ريادي مؤثر، حيث خطت مسافة هامة في اتجاه التحرّر واكتساب دور إيجابي في مختلف المجالات، وتحرّر المرأة هو تحرّر للمجتمع ككل، وتحت هذه اليافطة انتظمت تظاهرة الملتقى الوطني للمبدعات العصاميات في التعبير التشكيلي في محافظة المنستير التونسية.
الجمعة 2016/12/02
فضاء للحلم والتخييل

احتضنت محافظة المنستير التونسية الملتقى الوطني للمبدعات العصاميات في التعبير التشكيلي، بمشاركة 79 مبدعة من مختلف جهات البلاد، وجاءت الدورة الـ16 من الملتقى بين 25 و27 نوفمبر الماضي، والتي ينظمها المركب الثقافي بالمنستير، تأكيدا على خصوصيتها وطرافتها، حيث عرضت أعمالا لمبدعات لم يتلقين تكوينا فنيا أكاديميا، كما قدمت لهن قراءات نقدية في أعمالهن، إضافة إلى عدد من الورشات، و”كاتالوغ” ضم أعمال المبدعات تعريفا بها.

بدأ اليوم الأول من الملتقى بجلسة ضمت جميع المشاركات بحضور الفنانة التشكيلية عزيزة مرابط، والتي قدمت قراءات في جل اللوحات المشاركة تبيّنا لنقاط التميّز فيها وتقنيات الاشتغال التي تراوحت بين النفس السوريالي لبعض الأعمال واللوحات التي يطغى عليها الحلم ويوجّه ألوانها وعوالمها، فلم تقتصر اللوحات على رصد خبايا عالم المرأة، بل قدمت كذلك رؤية لهؤلاء المبدعات للعالم وللمدينة وللإنسان في بعده الحضاري والوجودي.

وتقول الفنانة التشكيلية أمال الحجار لـ”العرب” إن “الفن التشكيلي بالنسبة إليّ ليس مسألة تكوين بل هو تفاعل، وأنا أعمل في لوحاتي على تقديم صورة للمرأة ووضعها في العالم ككل، وضع لا أخفيكم أنه مترد”.

وعن نعت لوحاتها بالحلم تلفت الحجار إلى أنها تفضل الأعمال الزيتية، لأنها صادقة وطبيعية، ثم حتى وإن كانت الفنون الجميلة تنطلق من مجموعة قواعد، فإن الشعور في رأيها هو المتحكم في العملية الإبداعية، تقول “إحساسي هو الذي يؤثر في عملي وهو القائد إن صح التعبير، فالإبداع في رأيي هو التعبير عن الدواخل، أنا دائمة البحث عن حلمي الذي أرصد من خلاله الواقع على الدوام”.

المشاركات يقدمن لوحات عنيفة وأخرى تعبر عن أصوات النساء الداخلية بكل تجرد، في تعبير ذاتي يحمل بصمة صاحبتها

وفي جانب آخر التقت “العرب” منسقة الملتقى، أسماء المنشول، حيث تعرف فكرة الملتقى بقولها “المبدعات العصاميات هن اللاتي لم يتلقين الفن من المدارس الخاصة به، لكن لا يقلل هذا من شأن أعمالهن، لذا نقدم لهن فرصة للانطلاق في تجاربهن الفنية، ونقدم لهن فرصة للتكوّن في التقنيات التشكيلية، وتتمثل مهمتنا في هذا الملتقى الفريد من نوعه في دفع المبدعات العصاميات إلى المشاركة بأعمالهن الفنية، كما نوفر لهن التعريف بتجاربهن، إضافة إلى المساهمة في صقلها من خلال عدد من الورشات”.

وأضافت المنشول أن لجنة فرز الأعمال المقترحة في الدورة الـ16 من الملتقى تلقت قرابة الـ200 مشاركة، ليتم قبول الأعمال التي تخضع أكثر للشروط الجمالية والفنية، “فكانت الحصيلة تنوعا في الثيمات والتقنيات بين لوحات زيتية وتركيبية وأعمال نحتية”.

وتشدد أسماء المنشول على أن أهم مكسب من مكاسب الدورة الأخيرة، هو طباعة “كاتالوغ” أكبر، تضم كل صفحة منه عملا فنيا مشاركا، إضافة إلى تعريف بصاحبته مع صورة لها، وهذا يمثل إنجازا في حد ذاته، رغم صعوبة توفير الموارد لطباعة مثل هذا “الكاتالوغ”، فكانت طباعته بمجهودات ذاتية من المنظمين، إضافة إلى تغيير ديكور العرض، كما وقع التنسيق مع مندوبية الطفولة والمرأة بمحافظة المنستير، حتى تنفتح الورشات على الأطفال وعلى شرائح مختلفة من غير المشاركين في الملتقى.

وعن انفتاح الملتقى هذا العام على فضاءات مختلفة، تؤكد مديرة الدورة أن اللجنة المنظمة تسعى إلى تجذير مثل هذه التظاهرات في محيطها، إضافة إلى تقديم وجوه فنية متنوعة، وتلفت إلى أهمية دور الأطفال الذين شاركوا في الورشات التشكيلية رفقة المبدعات، وتمرير المشعل من جيل إلى آخر، مشعل الفن الذي لا ينطفئ، وستسعى الدورة القادمة إلى الانفتاح أكثر مغاربيا.

وتقول عزيزة مرابط الفنانة التشكيلية والأستاذة السابقة في معهد الفنون الجميلة بتونس “أهم ما وجدته في الملتقى هو التنوع في الأعمال الفنية المقدمة، وهذا تأكيد على الثراء وأنه ليس هناك منحى واحد يتقيد به الجميع، وهو في اعتقادي رسالة الفن الحقيقية، والمتمثلة في ترسيخ التنوع والاختلاف”.

وتضيف مرابط “العمل التشكيلي يتحرك بالإحساس والذاكرة، وهذا جلي في أغلب الأعمال المشاركة والتي تميزت بالصراحة، التي تعتبر مهمة في الفن، كل فنان عندما يمسك الريشة وأمامه لوحة بيضاء يمر بصراع، هو صراع الخلق، وفي النهاية الفن التشكيلي يخرج في مزيج فريد بين الوعي واللاوعي. في المشاركات هناك لوحات عنيفة وأخرى تعبر عن أصوات النساء الداخلية بكل تجرّد، في تعبير ذاتي يحمل بصمة صاحبة العمل”.

وشددت الفنانة بقولها “الثقافة تقوم على قبول الاختلاف والتبادل، وهو ما لاحظته في هذه الدورة، وذلك ما يبقى في النهاية بعد أن ننسى كل شيء”.

واختتم الملتقى بتكريم المبدعات، فمنح تكريما بعنوان “لمسة العصاميات” قدمت فيه شهادة للفنانة رجاء القاسمي عن عملها “صراع”، كما تم تكريم قيدومة الملتقى التي شاركت في كل دوراته الـ16، عائشة مبارك، والتي قدمت عملا من النسيج بعنوان “الأم”.

17