مبدعون عالميون يكشفون من القاهرة تطورات الموسيقى المعاصرة

مهرجان "أيام القاهرة للموسيقى المعاصرة" ينتظم في إطار الحرص على التواصل الحضاري من خلال الأنغام والإيقاعات بمشاركة نخبة من الموسيقيين من العالم.
الأحد 2018/04/29
فرقة إنسامبل موزايك الألمانية في حفل بمهرجان أيام القاهرة للموسيقى المعاصرة (تصوير: محمد حسنين)

تقرّب الموسيقى بين الشعوب بقدرة تفوق الفنون الأخرى، فهي اللغة الإنسانية المجردة، الأبسط والأعمق، التي لا تحتاج إلى ترجمة. وهكذا تصافح الشرق والغرب عبر الأنغام والإيقاعات التي احتضنها مهرجان الموسيقى المعاصرة الدولي بالقاهرة.

بلغت الموسيقى المعاصرة مدى كبيرا من العمق الإنساني والتطور في الأداء والتكنيك حول العالم، بفضل تخلصها من القوالب الجامدة والصيغ الجاهزة وإفساح المجال واسعا أمام الارتجالات الحرة، والإيقاعات المتنوعة، فضلا عن المزج الحميم بين المدارس والثيمات الشرقية والغربية المختلفة في التأليف والتعبير.

وفي إطار الحرص على التواصل الحضاري من خلال الأنغام والإيقاعات، تشهد القاهرة في الوقت الحالي عروضا ومحاضرات وورش عمل مهرجان “أيام القاهرة للموسيقى المعاصرة” في دورته السادسة، بمشاركة نخبة من الموسيقيين والمؤلفين والعازفين المجددين من أوروبا ومصر ومنطقة الشرق الأوسط .

لا تقتصر فلسفة مهرجان “أيام القاهرة للموسيقى المعاصرة” (من 14 إلى 29 أبريل) على الاحتفاء بالأشكال والنظريات والعروض الموسيقية الثرية وطرح مستجدات الإيقاعات الشرقية والغربية وروائع الارتجالات الحرة، وإنما تمتد هذه الفلسفة إلى مدى أعمق وأخصب، حيث تلك القدرة الخلاقة على إضاءة الروح بغذاء مشعّ لا تنفد طاقته، وإعادة اكتشاف الإنسانية كقيمة كامنة حيّة لدى البشر.

المؤلف الموسيقي الألماني أوليفر شنيلر

رصد شنلر في محاضرته العلاقة الوطيدة بين الموسيقى والرياضيات، مشيرا إلى أن العمليات الحسابية وبرمجيات الكمبيوتر لها دور في التأليف والتوزيع والتحليل في الموسيقى المعاصرة

“إنها الموسيقى التي تفتح الأبواب والنوافذ للرياح وأشعة الشمس الآتية من كل حدب وصوب، فتلتقي الحضارات والثقافات والشعوب، ويحتضن البشر بعضهم البعض”، هكذا قال المؤلف الموسيقي البارز الأكاديمي الألماني أوليفر شنلر في محاضرته التي ألقاها بقاعة معهد “الكونسرفتوار” بأكاديمية الفنون، ضمن فعاليات المهرجان.

بالإضافة إلى محاضرته المتخصصة حول تطور التأليف الموسيقي في العالم والنماذج السمعية والبناءات المركبة وأساليب العزف والتلحين والتأليف، قدم شنلر، الحاصل على الدكتوراه في التأليف الموسيقي من الولايات المتحدة، مؤلفات جديدة لم يعرضها من قبل، وتجلت فيها ملامحه الخاصة كمؤلف يحرص على الدمج بين الغربي والشرقي، وتوظيف إمكانات الكمبيوتر في التحليل الموسيقي.

ورصد شنلر في محاضرته العلاقة الوطيدة بين الموسيقى والرياضيات، مشيرا إلى أن العمليات الحسابية وبرمجيات الكمبيوتر لها دور في التأليف والتوزيع والتحليل في الموسيقى المعاصرة، وتغيرت الكثير من المفاهيم بعد الحرب العالمية الثانية، ولا يتعارض ذلك مع التلقائية والارتجال في الحركة السريالية وموسيقى الجاز، فالتقنية تكون مفيدة إذا لم تقيّد الإنسان ولم تأسر الإبداع المنطلق بحرية.

حفل المهرجان بعروض متعددة حظيت بتفاعل جماهيري كبير، وأقيمت أغلبيتها في ساحات مفتوحة وأمكنة تاريخية وأثرية يفوح منا عبق الحضارة، ويتصل الماضي بالحاضر، ومن هذه الجهات: قصر المانيسترلي بالمنيل، مجمع الفنون بالزمالك (قصر عائشة فهمي)، مسرح مركز الهناجر للفنون بالأوبرا، مسرح الجامعة الألمانية، معهد جوتة الألماني، كونسرفتوار القاهرة، روم مكان للفنون.

من بين العروض التي لقيت صدى طيّبا، حفل المؤلف الإسباني عازف الإيقاع لويس تابوينكا، وفيه أبدى ارتجالات حية نابضة، وقدّم كذلك مشروع “صولوز” المستوحى من التاريخ المعاصر ومن أعمال فرانشيسكو دي جويا المرئية المثيرة، وأعقبته ورشة تفاعلية للارتجالات أدارها عازف الإيقاع المصري أيمن مبروك.

ولويس تابوينكا، أحد الغربيين البارزين في الموسيقى المعاصرة والتجريبية وفي الارتجال، له مشاركات واسعة في إسبانيا وأوروبا وآسيا والأميركيتين، وحصل على جوائز دولية عديدة، وهو مؤسس ومدير مهرجان الموسيقى التجريبية الدولي (FAT) في إسبانيا.

أما أيمن مبروك، فهو عازف إيقاع ومنتج، من مواليد الإسكندرية، يتميز بشخصية فريدة في الأداء بخاصة في موسيقى الجاز والفلامنكو والموسيقى الأفريقية الشرقية، وله حضور كبير في مهرجانات دولية للجاز وموسيقى الشعوب.

كذلك، حظي حفل فرقة “إنسامبل موزايك” الألمانية بمشاركة عازف القانون المصري صابر عبدالستار وفرقة “النيل للآلات الشعبية”، بإقبال جماهيري لافت، والتقت الآلات الإلكترونية الغربية بالدفوف الشرقية وآلة “الربابة” الشعبية المصرية في مزج فريد من نوعه.

تفاعل جماهيري كبير
تفاعل جماهيري كبير

وجاء حضور بشرى الترك، اللبنانية المقيمة بالمملكة المتحدة، من خلال أحدث مؤلفاتها الموسيقية، والإيراني الألماني إحسان خاطبي بإهدائه مقطوعة خاصة ألفها بمناسبة مرور 20 عاما على تأسيس “إنسامبل موزايك”، والمغربي الفرنسي سمير أمروش بمقطوعة من وحي الفترة التي قضاها بمنتدى التراث والحداثة الذي أقامته الجمعية الأوروبية المصرية للموسيقى المعاصرة في 2016.

وتنوعت برامج المحاضرات تحت عنوان “كلام في الموسيقى”، ومنها “تطور التأليف الموسيقي في عالمنا الآن” لكاثي غراهام مديرة الموسيقى الدولية بالمجلس الثقافي البريطاني وعضو أمناء المجلس الدولي للفنون التعبيرية بنيويورك، “أعمالي والخلفية الاجتماعية والسياسية لتطوري” للفنانة الفلسطينية كاميليا جبران، و”إعادة صياغة الجماليات والقيم الموسيقية الموروثة” لهانس زيدل من ألمانيا.

ومن الملاحظ أن مهرجان “أيام القاهرة للموسيقى المعاصرة” يكتسب طابعا خاصا، حيث تمتزج أنغام وإيقاعات عروضه المصرية والشرقية والغربية بأنفاس تاريخية، خصوصا تلك الفنون القادمة من الأرض الألمانية، التي يفسح لها مهرجان هذا العام حضورا استثنائيا.

كان سقوط جدار “برلين” واتحاد ألمانيا الغربية والشرقية في أوائل تسعينات القرن الماضي بمثابة نقطة تحول في تاريخ المدينة، التي صارت عاصمة جاذبة للفنانين من جميع الأطياف والألوان، وبوتقة لانصهار المواهب الفنية وتجمّع المؤلفين الموسيقيين من القارة الأوروبية.

أسفر ذلك بوضوح عن المزيد من التقدم والتطور في مجالات الفنون متعددة الوسائط، ودعمت هذا التطور الهائل ثورة رقمية بدأت في الوقت ذاته واستمرت حتى الآن، لإتاحة الأدوات التكنولوجية للجميع والفنانين بشكل خاص. لذلك، جاء هدف المهرجان هذا العام بتتبّع هذا الخط التاريخي وذلك التطور الفني، من خلال أعمال هؤلاء المؤلفين المؤثرين.

ويُذكر أن مهرجان “أيام القاهرة للموسيقى المعاصرة” تنظمه “الجمعية الأوروبية المصرية للموسيقى المعاصرة”، بالتعاون مع مؤسسة أرنست فون سيمنس للموسيقى، ومعهد جوتة بالقاهرة، وصندوق التعاون الدولي لمعهد جوتة، فضلا عن وزارة الثقافة المصرية.

الموسيقى الألمانية حظيت بحضور لافت في أيام القاهرة للموسيقى المعاصرة
الموسيقى الألمانية حظيت بحضور لافت في أيام القاهرة للموسيقى المعاصرة

والجمعية الأوروبية المصرية للموسيقى المعاصرة “EECMS” كيان ثقافي تأسس على يد مديرها الحالي عازف الكلارينيت وخريج الكونسرفتوار شريف الرزاز، كثمرة لجهود سابقة في التعاون الفني المصري الأوروبي.

تهدف الجمعية، كما يوضح شريف الرزاز، إلى حفظ الملكية للنشاطات والأعمال الفنية للمؤلفين المصريين، وتنظيم وإخراج فعاليات ومناسبات دولية خاصة للموسيقى المعاصرة من سائر الأنحاء على أعلى مستوى احترافي بمشاركة أجيال ومدارس مختلفة.

ويشير الرزاز في تصريح لـ”العرب” إلى أن الجمعية الأوروبية المصرية للموسيقى المعاصرة تتعامل مع أكثر من أربعين مؤسسة ثقافية، مصرية، وعربية، وشرق أوسطية، وأجنبية، وتحظى بدعم من جهات عدة، منها: المركز الثقافي البريطاني، معهد جوتة، وزارة الخارجية الهولندية، المركز الثقافي الفرنسي، الملتقى الثقافي النمساوي، وغيرها.

ومن جهتها، تشير رحاب عبدالخالق، المستشارة الإعلامية للجمعية، إلى اتسام مشروعات الجمعية على وجه العموم بالحرص على التفاعل والتبادل الثقافي والفني بين الشعوب والحضارات المختلفة، وتقول إن من ثمرات هذا التبادل “مهرجان القاهرة للموسيقى المعاصرة”، ومشروع “صوتي، صوتك، صوتنا” الذي يتوافق إعلان نتائج مرحلته الأولى مع ختام مهرجان الموسيقى.

ويشير نجاح “مهرجان الموسيقى المعاصرة” إلى أن القاهرة لا تزال تدرك جيدا أن إشعاعها الحضاري لم يتبدد بعد، والثقافة الحية التفاعلية لا تزال تنبض في أرجائها وجنباتها، وتسكن أرضها وسمائها، وتنمو في قلوب أبنائها الذين بمجرد أن تواتيهم فرصة أو تحل فعالية فإنهم يضيئون مسرعين مصابيح الاستنارة، سواء كمبدعين مشاركين في صناعة الحدث، أو كمتابعين واعين في مقاعد الجمهور.

ويعود الفضل إلى المؤسسات الأهلية والجهود الذاتية والمراكز والهيئات المستقلة والأجنبية، في إحداث حراك ثقافي ملموس في مصر خلال الفترة الماضية، حيث حملت هذه الجهات على عاتقها مسؤولية النهوض بالفعل الثقافي الحقيقي، وبلورة صيغ عصرية لتقديم الفنون والآداب والإبداعات الحديثة، العربية والأجنبية، من خلال مؤتمرات ومهرجانات دولية تلقى صدى جماهيريا طيّبا.

وعلى الرغم من أن مثل هذه الفعاليات قد نشأت أساسا لمواجهة حالة الجمود السائدة بسبب سياسات المؤسسة الرسمية وآلياتها البائدة، والأداء الباهت النمطي لموظفي وزارة الثقافة المصرية، فإن عددا غير هيّن من هذه الفعاليات قد حظي بدعم من الوزارة، سواء على مستوى النفقات المالية، أو بتخصيص الوزارة أمكنة ومنابر للعروض وما إلى ذلك دون تدخل منها في البرامج والتنظيم.

هكذا، فرض “مهرجان الموسيقى المعاصرة” حضوره بالتنسيق بين العمل الأهلي والوزاري، وهكذا جاء تفاعل المصريين بشغف مع المهرجان، عساه أن يكون أحد روافد الإسهام في إنعاش قوة مصر الناعمة، ومد تأثيرها داخليا وخارجيا، من خلال حفلاته ومحاضراته وورش العمل المقامة به.

14