مبروك راشدي: على الكاتب أن يسكنه الشك في كل شيء

الجمعة 2014/08/08
الراشدي: الحاجة إلى نقل التجربة هو امتداد للرغبة في الكتابة

كل الطرق تؤدي إلى الكتابة، بهذه الجملة تستهل الكاتبة والناقدة صوفي أدريانسون ركنا في موقع لصحيفة “صوفيليت”، تستضيف فيه المواهب الجديدة في الكتابة والأدب، هذا الركن يقترح استكشاف المسارات الشخصية لكُتّاب، ليوضح أنه ليس هناك سبيل أو نهج نموذجي، أو أرصدة إلزامية للكتابة، لأنه، نقلا عن سيمون دو بوفوار، لا أحد يُخلق كاتبا، إنه يصبح كذلك. من بين تلك الشهادات نقترح مسار الكاتب الفرنسي مبروك راشدي.

مبروك راشدي محلل مختص في المالية مهووس بالأدب، اختار في أحد الأيام أن يتخلى عن المنطق، ويتبع ميوله. بعد سنوات من نيله لديبلوم الدراسات المعمقة في التحليل الاقتصادي، تشكيل النماذج والمناهج الكمية، شعبة المالية، أدار ظهره لشركات البورصة، واتجه إلى الأدب. صدر له “حمولة روح” و”وزن الروح”، و”مالك الصغير”، بالإضافة إلى كتابه “مديح البائس".

ويساهم راشدي علاوة على ذلك في المجال التعليمي، كما يكتب السيناريوهات. هذا يذكرنا، إلى حد ما، بمسار فؤاد العروي، الذي انتقل من مهندس للجسور والطرقات إلى أستاذ للاقتصاد، ثم إلى روائي مرموق، وشاعر وأستاذ للفلسفة والأدب المعاصر.


معنى الحياة


يؤكد مبروك راشدي أنه بدأ الكتابة في فترة المراهقة، بعدما قرأ “الأب غوريو” لـ”بالزاك”. وأعجب كثيرا بأسلوبه، فانقاد إلى عالم الكتابة، وغاص بين أوراقه، لتكون بادرته الأولى رواية “وزن الروح”. وهو إلى الآن، مازال غير مستوعب كيف أن ذلك الكتاب، في تلك الفترة من حياته، فتنه، وكان له كل ذلك الأثر البليغ.

يضيف راشدي قائلا: “إن التحليل المالي كان خيارا أملاه عليّ المنطق. فأنا أنحدر من وسط بسيط، وعبر المالية، بحثت عما كنت أفتقده. لم أكن تعسا في حياتي السابقة، لكن وأنا أعيش رغبتي وميولي، أحسست أنني أعطي معنى لحياتي. لم أفكر طويلا في الأمر، هذه اللامبالاة مردها عدم إلمامي التام بالنشر. كنت أفكر أنني سأكتب، وبعدها سأنشر. لكن الأمور كانت أكثر تعقيدا مما ظننت.

على المستوى العملي، ظل يفاوض مغادرته لعمله، ثم كتب وبعث بمخطوطاته عبر البريد بشكل أعمى. كانت لديه مقاربة جد ساذجة، مبنية فقط على الرغبة. لذلك هو لا ينصح أحدا بأن يتصرف كما تصرف هو. فيستحسن، في رأيه، أن نعرف ونحدد وجهتنا. لكن من جهة أخرى، وكبهلوان لا يكترث بالفراغ عند رجليه، تلك اللامبالاة بـ«المخــاطر المهنية»، سمحت له ربما بالتقدم.

ليس الفن متعة منفردة، إنه وسيلة لتحريك مشاعر أكبر عدد من الناس، عبر إهدائهم صورة مميزة عن الآلام والأفراح

ويعتبر مبروك راشدي نفسه إنسانا يسكنه الشك تجاه كثير من الأشياء. يساوره الشك أحيانا في اختياره ترك عمله والاتجاه إلى الأدب، ليس في ما هو متعلق بفعل الكتابة، الذي يصرّ بأنه فعل يغمره دائما بنفس المتعة، ويشبع رغبته، ولكنه مرتاب من المكانة الاجتماعية للكاتب، التي ليست في الحقيقة كما كان يتصورها.


الكتابة كونية


يؤكد الكاتب أنه عاش عدة أطوار في حياته، وهو سعيد بها. وليس نادما على أي شيء، بل على العكس، يسعده أنه عاش عدة حيوات في حياة واحدة. إنها تكمل بعضها، في رأيه، وهو يتمنى ألا تكون هذه التجربة التي يخوضها هي الأخيرة.

لهذا السبب يكتب اليوم سيناريوهات أيضا. ويقوم كذلك بتنشيط ورشات تكوينية للكتابة، من عدة أنواع: لفائدة تلاميذ بالإعداديات، وبثانويات قروية، وفي المهرجانات الإقليمية، لفائدة بالغين يتدربون على الكتابة، وغيرها من الورشات. فبالنسبة له، الاشتغال بالضواحي، وسط شباب يمكن أن يكون لهم مسارات شبيهة بمساره، يكتسي نفس أهمية المساهمة بأماكن أخرى مختلفة تماما، مع جمهور من عيار آخر”.

ويضيف راشدي قائلا: “ذات يوم، وأنا أشتغل بخزانة وسائطية بضاحية شعبية، سألني القائمون على خزانة بمدينة محاذية، تعد بورجوازية، عن إمكانية التنشيط لفائدة جمهور من نوع آخر مختلف عن جمهور الأحياء الشعبية، فأجبت بالقبول طبعا. فالكتابة كونية وتدخلاتي ليس لها حدود جغرافية أو اجتماعية. لست ممن يستغلون وضعية العزلة والإقصاء، لأمتهن بشكل من الكبرياء في الضواحي. لقد سبق لي أن قمت بتنشيط ورشات بالولايات المتحدة الأميركية وهونغ كونغ، فلم لا بـمدينة نويلي؟”.


نقل التجربة


يعتقد راشدي أن الحاجة إلى نقل التجربة هو امتداد للرغبة في الكتابة، فعند تدخلاته، سواء في الورشات أو خارجها، اكتشف إلى أي مدى كان الشباب، على الأخص، بحاجة إلى التوجيه.

يؤكد مبروك راشدي أنه بدأ الكتابة في فترة المراهقة، بعدما قرأ "الأب غوريو" لـ"بالزاك" وأعجب كثيرا بأسلوبه

من بين الأفكار الشائعة، التي لاحظها، أن الكاتب من المفترض أن يكون ميتا، أو عجوزا، أو لديه اسم مستمد من منطقة فرنسية. لذلك فإنه يكون هناك من يدعى مبروك راشدي، ليس ذائع الصيت، وليس مسنا، ولا يزال على قيد الحياة، فتح أمامه عدة آفاق. فاكتشف بعضهم أنه بإمكانهم أن يصبحوا كتابا. لن يصبحوا كلهم كذلك، ولكن أن يُفتح لهم هذا الأفق هو نجاح في حد ذاته.

يؤكد راشدي أن ورشات الكتابة بإمكانها أيضا تغيير تصرفات التلاميذ. فبعضهم ارتقى، ونبغ من خلال التمارين.

كما أن بعض الأساتذة صرحوا بأن تلك التمارين كان لها تأثير محمود على تمدرس الشباب. لقد غير ذلك طريقة تعاملهم مع الكتابة، وقام بتحفيز مخيلتهم بشكل آخر، وشكل لديهم فرصة سانحة لتجاوز الإطار المدرسي الصرف، فكانت النتائج مبهرة في بعض الحالات.

يستشهد الكاتب بخطاب ألبير كامو في السويد، عند استلامه جائزة نوبل، والذي لخص فيه مهمة الكتابة حسب تشخيصه قائلا: “لا يمكنني شخصيا أن أعيش دون موهبتي الفنية، لكني لم أضع أبدا هذا الفن فوق كل شيء”. إذا كان الفن في المقابل ضروريا جدا بالنسبة إليّ، فلأنه لا يفارق شخصي، ويسمح لي أن أعيش، كما أنا، على مستوى الجميع.

ليس الفن في نظري متعة منفردة. إنه وسيلة لتحريك مشاعر أكبر عدد من الناس، عبر إهدائهم صورة مميزة عن الآلام والأفراح المشتركة. إنه إذن يُلزم الفنان بألا ينعزل، إنه يُخضِعه للحقيقة الأكثر بساطة والأكثر كونية”. ويقرّ مبروك راشدي أنه ليس بإمكانه قول أفضل من ذلك.

14