متابعة الأحداث من خلال ما تقوله الأسواق

الاثنين 2014/03/10

إحدى البديهيات الراسخة في الاقتصادات المتقدمة تقول أنك إذا أردت أن تعرف حجم أزمة أو حدث معين، فعليك أن تنظر الى ردود فعل الأسواق عليها.

فالأسواق والمتعاملون فيها لا ينظرون للأحداث بعاطفية ولا يأخذون بالسيناريوهات المجنونة المستبعد حدوثها. موقف الأسواق ليس مجرد آراء ونظريات واعتبارات تستند الى الحماس الوطني فهي تضع أموالها وفقا لتقديرات واقعية تستند إلى أرجح الحقائق على أرض الواقع.

قد تنفعل لوقت قصير فتهتز قلوب بعض المتعاملين القلقين ولكنها سرعان ما تعيد حساباتها وفقا لأكثر العوامل والحسابات واقعية.

في أزمة أوكرانيا المفتوحة على احتمالات تبدو خطيرة لأول وهلة، يتضح الفارق الشاسع بين المواقف السياسية المتشنجة في ساعاتها الاولى الساخنة والمرتبطة بالحماس الوطني وتحريك الرأي العام والاعتبارات الدبلوماسية، وبين ردود فعل الأسواق التي يترتب عليها تحريك تريليونات الدولارات في أسواق العملات والأسهم والنفط والذهب والمعادن.

ففي وقت تفتح فيه التصريحات السياسية أبواب الجحيم، نجد أن الأسواق أنهت تعاملات الأسبوع غير مكترثة بشكل كبير بالسيناريوهات الجهنمية التي يطرحها السياسيون والمحللون ووسائل الإعلام.

فأسعار النفط والذهب التي أبدت قلقا كبيرا في ذروة الأزمة بداية الأسبوع الماضي وسجلت ارتفاعا ملحوظا، عادت في بقية تعاملات الأسبوع الى المستويات التي كانت عليها قبل تفجر الأزمة.

ويعني ذلك أن أسواق النفط لم تتأثر بتهديدات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بفرض عقوبات يمكن أن تصل الى تجميد الكثير من العلاقات الاقتصادية وقيود على التعاملات المصرفية وقيود على تأشيرات سفر الروس الى البلدان الأوروبية. وقد بدأت بالفعل بتجميد أصول 18 مسؤولا روسيا.

الأخطر من ذلك أن روسيا هددت بقطع امدادات الغاز عن أوكرانيا وبالنتيجة عن معظم الدول الأوروبية، لأن الصادرات الروسية يمر معظمها عبر أوكرانيا.

ومع ذلك لم تصدق أسواق النفط ذلك التصعيد، لأنها تعرف أن الدول الغربية لا يمكنها أن تستغني عن الغاز الروسي. كما أن روسيا لا يمكنها أن تتخلى عن عوائد صادرات الغاز في ظل المتاعب التي يعانيها الاقتصاد الروسي من نزوح رؤوس الأموال العالمية منذ العام الماضي.

ولو كانت الأزمة بالخطورة التي تظهرها تصريحات الساسة، فإن أموالا كثيرة كانت ستتجه الى ملاذ الذهب الآمن وهو ما لم يحدث في نهاية تعاملات الأسبوع الماضي.

اليورو كان أول المرشحين للانخفاض لو كانت الأزمة بالخطورة المعلنة، ولكنه كان أكبر الرابحين في محصلة تعاملات الأسبوع! في حين تراجع الين الياباني الذي يفترض أن يكون من أكبر الملاذات الآمنة.

أما الأسهم الأوروبية التي يفترض أن ترتعد مفاصلها من احتمال انقطاع الغاز الروسي، الذي يمكن أن يشل أنشطة الاقتصاد الأوروبي، فإنها استعادت معظم خسائر بداية الأسبوع.

وأغلقت على انخفاض يبلغ في المعدل نحو 1.5 بالمئة وهو انخفاض يكشف الحجم المتواضع لقلقها من الأزمة، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أنها ارتفعت لمستويات قياسية في الأسابيع الخمسة السابقة

ويقول البعض إن عمليات بيع لجني الأرباح كانت مبررة حتى بغياب الأزمة الأوكرانية، بعد امتناع البنك المركزي الأوروبي عن خفض أسعار الفائدة.

أما الأسهم الأميركية فأهملت الأزمة الأوكرانية بالكامل لترتفع بأكثر من واحد بالمئة في محصلة تعاملات الأسبوع، موجهة أنظارها نحو العوامل الداخلية بعد بيانات التوظيف القوية للشهر الماضي والتي عززت آفاق انتعاش الاقتصاد الأميركي.

الأسواق الوحيدة التي أبدت قلقها من تبعات التصعيد بين روسيا والدول الغربية هي الأسواق الروسية، رغم أن حجم القلق تقلص الى النصف تقريبا في نهاية تعاملات الأسبوع.

فبعد أن تراجعت الأسهم الروسية بنحو 10 بالمئة في بداية الاسبوع وتراجع الروبل بنحو 5 بالمئة، فإنها قلصت خسائرها الى نصف تلك الخسائر في نهاية الأسبوع.

ما تقوله الأسواق هو أنها تستبعد أن تتفجر الأزمة بالحجم الذي تلهبه تصريحات المسؤولين ووسائل الاعلام، وأنها مرشحة الى حلول دبلوماسية تحفظ ماء وجه جميع الأطراف.

هذا ما قالته الأسواق بشكل صريح في الأسبوع الماضي من خلال تعاملات يصل حجمها الى تريليونات الدولارات. وينبغي أن نوجه أنظارنا الى ما تقوله في الأيام المقبلة، وليس ما تقوله التصريحات الرنانة.

11