متاجر الرياض تفتقر إلى العمال بعد اقتصار التوظيف على المواطنين

فرض الحكومة السعودية لسياسة "سعودة" الوظائف يخلف تداعيات جانبية قاسية في معظم القطاعات التجارية بسبب النقص الشديد في عدد البائعين.
الخميس 2018/03/22
مرونة أقل في ساعات افتتاح المتاجر

الرياض - تواجه قطاعات تجارية في السعودية شبح الركود بسبب قرار حكومي اتخذ في ديسمبر الماضي يقضي بتوظيف المواطنين لتقليص معدلات البطالة المرتفعة.

وأغلقت بعض محلات الذهب أبوابها في سوق طيبة بالعاصمة الرياض، بينما تصارع أخرى للبقاء، بسبب نقص في عدد العمال السعوديين المهرة.

ولطالما اعتمدت السعودية على العمالة الأجنبية في قطاعي الخدمات والتجارة لأسباب متعلقة بالمهارات والتكلفة، لكن عددا كبيرا من المواطنين الذين تمتعوا لسنوات طويلة بنظام رعاية اجتماعية سخي، ينظرون لبعض هذه الوظائف على أنها لا تليق بهم.

وأكد عدد من أصحاب المحلات في طيبة وسوق ذهب آخر بالعاصمة السعودية لوكالة الصحافة الفرنسية، أنهم يواجهون صعوبات في توظيف سعوديين بسبب ميل هؤلاء إلى الاعتقاد بأنهم يجب أن يتلقوا معاملة مميزة.

 

أظهرت المؤشرات الأولية في السعودية أن فرض الحكومة لسياسة “سعودة” الوظائف ضمن خطط إصلاح سوق العمل لمواجهة ارتفاع البطالة، أفرز تداعيات جانبية قاسية في معظم القطاعات التجارية بسبب النقص الشديد في عدد البائعين.

ويقول فايز الهردي الذي يملك محلا واستقدم بعض أقاربه من الشبان مكان مجموعة من العمال اليمنيين الأكفاء استغنى عن خدماتهم، إن السعوديين جدد في هذا النوع من العمل وبحاجة لاكتساب الخبرة.

ولا يرغب معظم السعوديين في العمل لساعات طويلة وفي أوقات مبكرة. ويطالب حتى الذين يفتقدون للخبرة اللازمة برواتب تصل إلى ضعفي رواتب العمال الأجانب المهرة.

ويقول صاحب محل آخر لبيع المجوهرات، وهو يشير الى مجموعة من السير الذاتية لسعوديين تقدموا بطلبات عمل، إن أفضلهم بقي لمدة يومين فقط في عمله، و”هذا يقضي على تجارتنا”.

وتحاول محلات أخرى الاحتفاظ بعمالها الأجانب، وتواصل دفع رواتبهم من دون أن يأتوا إلى مركز عملهم، آملين في أن تقوم الحكومة بالتراجع عن هذا القرار. ولكن ذلك مستبعد.

ويؤكد عامل يمني في أسواق طيبة أنه فصل من عمله السابق، وقال “عندما أذهب بحثا عن عمل، يقول لي أصحاب المحلات، نرغب فقط في السعوديين”.

وتأتي “سعودة” العمل في إطار سعي الرياض لإعادة هيكلة اقتصادها المرتهن بالنفط، وإعادة إطلاق وظائف في القطاع الخاص من أجل التقليل من اعتماد المواطنين على الحكومة وخفض كلفة رواتب القطاع العام.

وتثني وسائل الإعلام المحلية باستمرار على جيل جديد من المواطنين السعوديين الذين يعملون للمرة الأولى في وظائف مثل تصليح السيارات أو قيادة سيارات الأجرة “أوبر” أو محطات الوقود، والتي كانت لوقت طويل تعتبر وظائف مخصصة للعمال الأجانب فقط.

وتظهر بيانات حكومية أن نسبة البطالة بين الشبان تصل إلى نحو 40 بالمئة، في بلد يقل عمر نصف السكان فيه عن 25 عاما. وتوظف الدولة قرابة ثلثي السعوديين، وتمثل رواتب القطاع العام والمخصصات نصف الإنفاق العام.

وأضافت الحكومة في يناير الماضي قطاعات العمل في بيع قطع السيارات والأجهزة الإلكترونية والأدوات الطبية والمفروشات المنزلية إلى لائحة الوظائف المقصورة على السعوديين.

وذكرت صحيفة “عكاظ” الحكومية في وقت سابق أن العديد من محلات تأجير السيارات أغلقت أبوابها في الرياض مع بدء الحكومة تطبيق خطوة “السعودة” لهذا القطاع.

كارين يونغ: إحداث نقلة في القوة العاملة السعودية سيستغرق عقدا أو أكثر
كارين يونغ: إحداث نقلة في القوة العاملة السعودية سيستغرق عقدا أو أكثر

وشرعت السعودية أيضا في فرض ضريبة شهرية على عائلات المقيمين الأجانب الذين يعملون في القطاع الخاص وموظفيهم، ما دفع الكثير منهم إلى مغادرة البلاد التي كانت ملاذا خاليا من الضرائب.

وتظهر أرقام حكومية أن أكثر من 300 ألف أجنبي من الطبقة العاملة خسروا وظائفهم في أول تسعة أشهر من العام الماضي.

وأثارت فكرة “السعودة” جدلا كبيرا عبر مواقع التواصل الاجتماعي ويطالب مؤيدو هذه السياسة بفرص متكافئة مع العمال غير السعوديين.

ولكن المحاولات الحثيثة لتوطين الوظائف لم تؤد حتى الآن إلى تخفيض نسبة البطالة بين السعوديين، بحسب خبراء، رغم تأكيدات الحكومة أن سياستها ستوفر الآلاف من فرص العمل.

وتقول كارين يونغ، الباحثة بمعهد دول الخليج العربي في واشنطن، إن “الأمر سيستغرق عقدا أو أكثر لتحقيق نقلة ثقافية في القوة العاملة السعودية ولتنبثق طبقة من السعوديين المستعدين للعمل في قطاع الخدمات والتجارة وأعمال البناء”.

ويفرض نظام “نطاقات” الطموح على الشركات تطبيق نسبة معينة من “السعودة” بين الموظفين مقابل الحصول على حوافز.

وتقوم بعض الشركات في مسعى منها لتلبية حصص “السعودة”، بتوظيف سعوديين مقابل رواتب متدنية للبقاء في المنزل، ما يعني توفير وظائف وهمية، بحسب خبراء وأصحاب أعمال.

وكتب محمد بسناوي في جريدة “سعودي غازيت” في يناير الماضي أن “أصحاب الأعمال يقولون إن السعوديين والسعوديات كسالى ولا يهتمون بالعمل”، مؤكدا أن الحل الأمثل للحد من البطالة لا يكمن في “السعودة”، بل لا بد من تغيير نظرة الرجال والنساء السعوديين للعمل.

11