متاجر بيع الكحول تفتح أبوابها في الموصل بعد طرد المتشددين

متاجر الكحول في الموصل العراقية تعود إلى نشاطها بعد دحر تنظيم داعش من المدينة.
الاثنين 2018/12/03
عودة حذرة

الموصل (العراق) - تجاور زجاجات الويسكي على الرفوف قناني العرق والنبيذ الفرنسي أو اليوناني، داخل أحد متاجر الكحول في الموصل العراقية التي عادت إلى نشاطها بعد دحر تنظيم داعش من المدينة.

بعد أكثر من ثلاث سنوات من حكم تنظيم الدولة الإسلامية الذي كان يعاقب بالجلد شاربي الخمر الذي كان يباع حينها في السوق السوداء بأسعار خيالية إن وجد، بدأت متاجر الخمور تزدهر من جديد.

وتعد المنطقة التجارية في حي الدواسة بغرب المدينة مركزا لمتاجر عدة خمور متواضعة لا تزال غير علنية من دون أي لافتات، لكن إعلانات الجعة التركية تفضح أحدها الذي يملكه خيرالله طوبية.

يتنقل هذا “المغامر” البالغ من العمر 21 عاما بين رفوف الزجاجات المصفوفة بعناية، ويسحب زجاجات البيرة التي يبيعها بسعر 1500 دينار (أكثر بقليل من دولار واحد)، ما يجعلها في متناول الجميع.

يقول طوبية الذي ينتمي إلى الأقلية الأيزيدية، إن “الإقبال جيد حاليا، والأسعار مناسبة”.

جميع بائعي الخمور في الموصل من الأيزيديين أو المسيحيين، إذ أن القانون العراقي لا يمنح تراخيص بيع المشروبات الكحولية للمسلمين. لكن في ظل الجهاديين الذين فرضوا حكم الشريعة المتشدد عند دخولهم عام 2014، مُنع الجميع من بيع المشروبات الكحولية أو شرائها أو شربها.

غير أن هذه المشروبات لم تختف تماما من المدينة، حيث وجد السكان أساليب عدة لتهريبها، رغم المخاطر والكلفة الباهظة. يقول شاب وهو يحمل زجاجة ربع لتر من الويسكي “المشروب كان يهرب بشكل سري، فزجاجة الويسكي سعة اللتر بلغت حوالي 100 دولار”، أما الآن فقد عادت الأسعار إلى ما كانت عليه قبل داعش وتكلف الزجاجة سعة ربع لتر حوالي 5 دولارات.

ومع تحرير الموصل في يوليو 2017، عادت متاجر المشروبات الكحولية إلى سالف عهدها، يقول طوبية “اليوم، أشعر بالارتياح وأنا أمارس عملي دون خوف أو قلق بفضل الأمان والحرية اللذين يسودان الموصل”.

ويشير أبوريان -وهو مواطن مسيحي أعاد افتتاح متجره في منطقة حي الزهور بشرق الموصل- إلى أنه افتتح “المتجر من جديد، فقط نكاية في تنظيم داعش، بعدما طردنا من المدينة وصادر أملاكنا وأموالنا”.

ورغم أن الديانة الإسلامية تحرم تناول المشروبات الكحولية، بقي تناولها منتشرا في العراق ذي الغالبية المسلمة، فقبل عامين أسقطت الرئاسة العراقية مشروع قانون في البرلمان يقترح فرض حظر على إنتـاج المشروبات الكحـولية وبيعهـا واستيرادها.

الإقبال جيد والأسعار مناسبة
الإقبال جيد والأسعار مناسبة

وبعد استعادة الموصل، عاد دخيل أمير لفتح متجر جديد، بعدما أحرق محله السابق في الجزء الغربي في المدينة، قائلا إن “أرقام المبيعات قد تكون أعلى مما كانت عليه سابقاً” مضيفا “لكنْ هناك دائما شعور بالخوف من المجهول”، ما دفعه إلى تركيب بوابة حديدية أمام المحل لحماية نفسه من أي هجوم محتمل.

ولا قيود مفروضة على المشروبات الكحولية في الموصل، لكن أولئك الذين يشربونها ويشترونها ويبيعونها، يتخذون احتياطات معينة، فعلى سبيل المثال تعبأ الزجاجات دائما في أكياس سوداء تخفي محتواها.

وغالبا ما تفتح بعيدا عن الناس، عادة على نهر دجلة في وقت متأخر من الليل أو داخل المنازل حيث يحظى الناس بالخصوصية. لكن ذلك لا يعني أن جميع من في الموصل سعيد بازدهار المشروبات الكحولية مجددا في المدينة. وطالب بعض السكان بإغلاق متاجر المشروبات الكحولية لأسباب دينية أو لحماية الشباب، لكن آخرين يقولون إن ذلك سيكون انتهاكا لحقوق الأفراد.

يقول علي حسن (33 عاما) الذي يعمل دهانا، إن “شرب الخمور حرية شخصية يسمح بها القانون وليس له علاقة بالظروف الصعبة التي مرت بها المدينة”.

ويضيف “كانت الملاهي والخمارات ومحال بيع المشروبات الكحولية منتشرة بشكل كبير في الموصل خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي، والناس يشربون الخمور علانية دون أي خوف”.

بعد فترة وجيزة من ذلك العصر الذهبي، بدأت الاضطرابات تسود العراق. ففي أعقاب سلسلة حروب في الثمانينات، فرض حصار دولي على العراق أدى إلى نقص كبير في السلع والمواد الغذائية.

وفي عام 2003، مهد الغزو الأميركي الطريق أمام صعود الميليشيات والتنظيمات المتشددة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك الموصل.

ومع بروز التطرف أصبحت متاجر بيع المشروبات الكحولية أهدافاً للتفجيرات والهجمات، لكن الموصل باتت اليوم تواجه مشكلة معاكسة، هي افتتاح محال عدة غير مرخص لها لبيع الخمور، ما أثار قلق السلطات وأغضب أصحاب المتاجر المرخص لها.

وفي هذا الإطار يقول قائمقام الموصل زهير الأعرجي، “حتى الآن تم منح 25 إجازة رسمية، بينما وصل عدد المتقدمين للحصول على إذن لافتتاح محل إلى أكثر من مئة طلب”.

ويضيف الأعرجي أن هناك شروطا عدة للحصول على الترخيص، أبرزها الابتعاد عن المنازل والمدارس ودور العبادة والدوائر الحكومية.

في السياق ذاته يلفت الناشط الحقوقي محمد سالم (31 عاما) إلى أن “الحل الأمثل يتمثل في تنظيم تجارة وبيع المشروبات الكحولية بإشراف جهات أمنية واجتماعية وصحية”.

لكنه يوضح في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني منع تلك المحال، قائلا إن “قرارات منع المشروبات الروحية تتعارض مع الحريات الشخصية فضلا عن حرمانها المدينة من موارد اقتصادية ومالية هي بحاجة إليها في ظرفها الراهن”.

20