متاحف العذابات البشرية

متاحف العذابات أنشئت في أغلبها ببلدان أنجزت التحول إلى الديمقراطية، للحفاظ على الأثر الدامي حتى لا يتكرر مستقبلا.
الأربعاء 2019/09/04
تاريخ دام

في كتاب حنة أرندت “آيخمان في القدس”، وهو تحليل نقدي لتقرير صحافي أنجزته الكاتبة سنة 1961، عندما كانت مراسلة لجريدة نيويوركر، عن جلسات محاكمة الضابط النازي آيخمان، تورد في مقطع من أحد فصول كتابها تصريحا للمتهم مفاده أنه “مستعد لأن يرسل والده إلى الموت إن تلقى أمرا بذلك”، لهذا نعتت أرندت الجريمة الممارسة ضمن هذا المفهوم بـ“الشرّ العبثي”، أو “التافه”، حيث ينتفي الوعي بالإثم، ويمارس العنف بما هو واجب تجاه الدولة أو العقيدة أو المجتمع، وبتعبير أدق تجاه السلطة الضامنة للعيش.

كتبت أرندت دراستها دون أن تتردّد في أن تُحمّل جزءا من المسؤولية الأخلاقية للضحايا أنفسهم، بوصفهم قطيعا انساق بطواعية، ودون مقاومة إلى العذاب والموت، ومن ثم فالتفاهة والعبثية تشملان الجلاد والضحية على حد سواء، بالنظر إلى استناد كليهما إلى مبدأ الخضوع، استجابة الجلاد لأمر السلطة، وركون الضحية لإرادة الجلاد.

بعد صدور كتاب حنة أرندت بعقود ستنشأ تدريجيا عبر أصقاع العالم متاحف تخلّد الجرائم ضد الإنسانية، وتتجلى المفارقة بارزة حين تتحول فضاءات عرض التحف إلى مكان لتجميع صور وآليات ووثائق ولوحات متصلة بذاكرة العذاب البشري، هي ليست تحفا بالتأكيد، إلا بالمعنى الذي يجعلها فريدة في سياقها؛ من متاحف محاكم التفتيش بطليطلة وقرطبة وغرناطة، إلى متحف ذكرى الهولوكوست بواشنطن، مرورا بمتحف التعذيب بأمستردام، ومتحف الكيجيبي ببراغ، ومتحف أوشفيتز ببركناو ببولندا، ومتحف “طوبوغرافية الرعب” الخاص بالتراث الدموي للغيستابو ببرلين، ومتحف الذاكرة وحقوق الإنسان بسانتياغو، ومتحف الإبادة الجماعية بنوم بينه بكمبوديا، ترتسم دائرة عار البشرية؛ تتقدم إلى زائريها بوصفها مؤسسات للذاكرة يلجها الباحث والسائح، السادي والعاطفي، والراغب في النحيب على مظالم عرقية وعقدية. وبعضها بأثمان تذاكر باهظة، أي أنها في النهاية تتحول إلى متاحف فعلية، تقدم خدمة شبيهة بتلك التي تقدمها متاحف الفنون والحضارات.

في الكثير من تلك المتاحف يعثر الزائر على آلة العذاب وعلى الوثيقة: سجلات المحاكمات، صور وأفلام، لوحات تخييلية، وأرشيف صحافي بالنسبة لجرائم الدول الحديثة، جنبا إلى جنب مع رموز السلطة الاستبدادية الممارسة للعنف، من الصلبان إلى المنجل والمطرقة ومن تماثيل القديسين إلى أنصبة الحكام الشموليين، وهياكل افتراضية لمن قضى تحت آلات التعذيب. وأسماء لمحققين مشوّهين ممن خلدوا في تاريخ تلك المظالم، وأيضا أسماء الآلاف من الضحايا.

أنشئت هذه المتاحف في أغلبها ببلدان أنجزت التحول إلى الديمقراطية للحفاظ على الأثر الدامي حتى لا يتكرر مستقبلا، لكنها تعلّم الوافد أيضا أن المجتمع الذي بنى للجريمة متحفا لم يتمكن من ذلك دون ثمن، وبغير أن يتخلص من “عبثية الشر” الدفينة، وأن قيامها كشواهد على ما جرى ضرورة أساسية لتحصين الحرية والسلم والحق. من هذا المنطلق تتجلى تلك المتاحف بوصفها ذات جوهر ثقافي، لا يختلف عن الجوهر الثقافي لمتاحف الفنون الجميلة، وإن كان لا ينفصل
عن الإطار  المركانتيلي المتصل بمؤسسات الثقافة في المجتمعات الغربية.

وفي بعض البلدان العربية نعثر على متاحف من نوع آخر، هي متاحف المقاومة أو المجاهدين، ولا نعثر على متاحف لعذابات البشرية، متاحف المقاومة تعرض جريمة الاستعمار، وصور الشهداء، والآليات الحربية المستعملة من قبل المقاومين، وحين زرت متحف المجاهدين بالجزائر، وهو أهم متحف من هذا النوع في البلاد العربية اكتشفت شقا كبيرا مخصصا لآليات التعذيب المستعملة من قبل المستعمر الفرنسي، ويمكن زيارة تلك المتاحف العربية بثمن زهيد أو مجانا، ولا يرتاد إلا القليل منها، زوار محليون، طبعا لم تبن هذه المتاحف برغبة الحفاظ على ذاكرة الجريمة حتى لا تتكرر، وإنما بهدف تمجيد السلطة الوطنية الوارثة ودعم شرعيتها، لهذا كانت لها وظيفة دعائية هي جزء أصيل من بنية الأنظمة الاستبدادية المنتجة لتفاهة الشر.

تقول متاحف المقاومة نقيض ما تقوله متاحف الذاكرة، فالأولى تدين عنفا أجنبيا، متّهما من قبل السلطة الوطنية بوصفه انتهاكا لسيادة دولة ومجتمع، وأن السلطة الوريثة بمظالمها تمارس عنفا “شرعيا”، لكن أليس ذلك العنف الشرعي أساسا هو ما تنهض عليه متاحف الذاكرة، تقول حنة أرندت في مقطع دال من الفصل الأخير من “آيخمان في القدس”، “لا يكفي أن نقول إن ألمانيا الرايخ الثالث كان مُهيمنا عليها من قبل عصابة من المجرمين، الذين من الصعب تصورهم كأسياد. إذ يعرف أي كان أن التماثل مع عصابة أشرار ليس جائزا إلا على مستوى محدود جدا، إلى درجة أنه لا يصبح جائزا أبدا. ومعروف أيضا أن هذه الجرائم وقع اقترافها في إطار منظومة ‘شرعية’. وهذا فعلا ما يميّزها”.

15