متاهة أسواق المال حين تقودها الروبوتات

ماذا يفعل المستثمرون بأموالهم؟ أنت تسأل والذكاء الاصطناعي يجيب.
الأحد 2019/12/15
أدوار مهددة بزحف الذكاء الاصطناعي

أن تحل الروبوتات المسيرة بالذكاء الاصطناعي محل البشر، فهذا خبر مفرح، على الأقل بالنسبة للطرف الأقوى. وأن تحل مكان الفلاحين في حراثة الأرض وقطف الثمار وتربية المواشي، هو أيضا خبر مفرح، على الأقل لهؤلاء القادرين على توظيف التقنيات الجديدة.

لن يراق المزيد من الدماء في الحروب، التي ستشنها روبوتات مقاتلة، أما البشر فسوف يقبلون صاغرين بالنتيجة لأن مسار التكنولوجيا حتمي ولا يقبل المقاومة.

لن يسال المزيد من العرق، أو يهدر الجهد الذي طالما كان مرتبطا بالعمل الفلاحي، وسوف يحرر العمال في المصانع من عبودية العمل الروتيني!

كل تلك التطبيقات سوف تلقى ترحيبا، حتى وإن رفضت في بداية الأمر!

لكن ماذا عن أسواق المال؟

المتعاملون في تلك الأسواق المالية العالمية يعرفون حقيقة يدركها جميع المتعاملين والمضاربين. حقيقة يفرض القانون على شركات المضاربة استخدامها، لتحذير المتعاملين قبل التورط والمغامرة بخسارة مدخراتهم.

معادلة الرابحين والخاسرين

300 مليون نقطة بيانات يمكن للذكاء الاصطناعي فك شفرتها في الساعة مقابل حاجة البشر إلى آلاف السنين للإحاطة بتفاصيلها
300 مليون نقطة بيانات يمكن للذكاء الاصطناعي فك شفرتها في الساعة مقابل حاجة البشر إلى آلاف السنين للإحاطة بتفاصيلها

هناك إجماع على حقيقة راسخة نسبيا، هي أن 70 بالمئة من المضاربين يخسرون في مراهناتهم في تلك الأسواق، أما الرابحون فهم مجرد 30 بالمئة فقط.

اليوم تكشف وكالة أنباء بلومبرغ للأخبار الاقتصادية أن الروبوتات حلت محل آلاف العاملين في الوظائف الروتينية، داخل بورصة وول ستريت في مدينة نيويورك، وأن الاستعانة بتلك الروبوتات قد بدأت فعليا، لتحل محل العاملين في المناصب ذات الأجور المرتفعة أيضا، بحسب ماركوس لوبيز دي برادو، الأستاذ في جامعة كورنيل الأميركية والرئيس السابق لقسم تعلم الآلة والذكاء الاصطناعي في شركة “أي.كيو.آر كابيتال مانجمنت” لإدارة الاستثمارات.

ذلك الإفصاح عن هذه التطورات جاء خلال جلسة استماع عقدتها لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب الأميركي مؤخرا، وتركزت حول التأثيرات المحتملة الناتجة عن توظيف الذكاء الاصطناعي على طبيعة عمل أسواق المال، وعلى الوظائف أيضا.

ويؤكد دي برادو أن استخدام الذكاء الاصطناعي ونظام التشغيل الآلي في الأسواق المالية إلى شطب عشرات الآلاف من وظائف المتعاملين في جميع أنحاء العالم. وحلت الروبوتات محل الأشخاص المسؤولين عن رسم الخطط المالية وتقييم المخاطر وإدارة المحافظ الاستثمارية.

وكان من الطبيعي أن يؤدي توظيف الروبوتات في مجال الاستثمارات إلى ظهور عدد من التحديات لأكثر من ستة ملايين موظف يعملون في قطاع التمويل والتأمين، وسوف يؤدي حتما إلى فقدان الكثير منهم لوظائفهم.

ماركوس لوبيز دي برادو: الذكاء الاصطناعي شطب عشرات الآلاف من وظائف المسؤولين عن تقييم المخاطر وإدارة المحافظ الاستثمارية
ماركوس لوبيز دي برادو: الذكاء الاصطناعي شطب عشرات الآلاف من وظائف المسؤولين عن تقييم المخاطر وإدارة المحافظ الاستثمارية

قلق الحكومات

لم تعد الأخبار اليومية تخلو من قيام مصرف أو مؤسسة مالية بشطب آلاف الوظائف في أنحاء العالم، مع انتفاء حاجتنا إلى المصرفيين أو زيارة فروع المصارف سواء للحصول على الخدمات التقليدية أو حتى قضايا توظيف المدخرات في صناديق الاستثمار.

خلال جلسة مجلس النواب الأميركي، التي استمرت ساعتين، استفسر أعضاء اللجنة من الخبراء عن مخاوف التحيز العنصري والتحيز الخاص بالنوع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، كما تطرقوا إلى مستقبل التنافس بالنسبة للعاملين في مجال التكنولوجيا من ذوي المهارات العالية، فضلا عن التحديات التي تواجه تنظيم الأسواق المالية التي تزداد تعقيدا والقائمة على توافر البيانات.

السؤال الذي لم يطرح في جلسة لجنة الخدمات المالية في الكونغرس هو: من سيكون الطرف الخاسر في عالم الذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن أن يقتصر الأمر على طرف واحد هو الرابح دائما؟

منذ أن عرف العالم المعاملات التجارية، كان هناك طرفان في أي صفقة مالية، طرف خاسر وطرف رابح. وما كان للتجارة أن تزدهر، خاصة في أسواق المال، لو أن الأمر اقتصر على الربح فقط.

لا نتحدث هنا عن توفير الجهد والوقت، بل عن القدرة على التنبؤ باتجاه الأسواق، واتخاذ قرار المضاربة اعتمادا على الطرق الكلاسيكية في تحليل الأسواق، وهي تتضمن طريقين لا ثالث لهما.

الأول يعتمد على تحليل الأسواق فنيا اعتمادا على مؤشرات تدرس حركة الأداء في الماضي، وتتوقع بناء على ذلك كيف سيكون الأداء مستقبلا.

أما الثاني فيعتمد على التحليل بناء على الأخبار والمعطيات للتنبؤ باتجاه الأسعار واتخاذ القرارات.وفي كلتا الحالتين، فإن عدد الذين يخطئون لا يقل عن ضعف عدد من يكونون على صواب.

دعونا نتحدث عن تجربة الروبوت في منافسة البشر بلعبة الشطرنج، قبل طرح المزيد من الأسئلة حول مصير عالم المال في ظل الغزو الحتمي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات بدل البشر.

لقد تمكن الروبوت على نحو متزايد من هزيمة البشر حتى لم تعد بالإمكان هزيمة الروبوتات الفائقة القدرة. لكننا لم نسمع عن مباريات في الشطرنج جرت بين الروبوتات.

دعونا الآن نتخيل مباراة، مثل هذه، تقام بين الروبوتات. النتيجة حتما هي فوز الروبوت المجهز بقدرات وحيل أحدث. أي هو سباق، محاولة الفوز فيه، ستقطع أنفاس الشركات المطورة.

في ظل سيناريو مثل هذا، وفي حال اقتصرت المنافسة بين روبوتات مجهزة بالذكاء الاصطناعي للتعامل واتخاذ قرارات البيع والشراء في أسواق المال. روبوت ضد روبوت، ما هو مصير أسواق المال؟

الخاسر حتما هو من يعجز عن اللحاق بركب التطورات التكنولوجية المتسارعة. وسوف يقتصر الرهان والتنافس بمرور الوقت على الحيتان الكبيرة. أما الأسماك الصغيرة فسوف تجد نفسها مقذوفة خارج اللعبة.

لاعب كبير مثل بنك “سيتي غروب” وظف التعلم الآلي مؤخرا لمساعدة المستشارين في أسواق المال على الإجابة عن سؤال يطرحه المضاربون على أنفسهم قبل كل قرار يتخذونه: ما الذي يفعله المستثمرون الآخرون بأموالهم الآن؟

هل ستقلب الروبوتات حقيقة أن 70 بالمئة من المضاربين يخسرون في مراهناتهم في أسواق المال مقابل 30 بالمئة من الرابحين فقط؟

من خلال استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يمكن للبنك أن يشارك في تحركات المحافظ الاستثمارية، بطريقة يسبق فيها المتعاملون الأفراد، الذين يفتقرون لمثل تلك التكنولوجيا في جميع أنحاء العالم.

كما قام “سيتي غروب” ببناء محرك لمنصة تستخدم أدوات التعلم الآلي لتقديم المشورة للزبائن، حيث تقدم المنصة توصياتها من خلال تقارير بحثية وحلول وحتى تنبيهات وتحذيرات للزبائن، مثل عدم توازن المخاطر وزيادة حصة السندات أو انخفاضها في استثماراتهم أكثر مما ينبغي.

ويعتمد صندوق “دومبيارد” الاستثماري، على التعلم الآلي لفك شفرة 300 مليون نقطة بيانات في ساعة التداول، في بورصة نيويورك وحدها. حيث يساعده الذكاء الاصطناعي في تقديم تنبؤات لحركة الأسهم والمؤشرات، وما سيحدث في الثانية أو الدقيقة التالية.

وطبعا لا يمكن لأي بشر أن يستوعب كل تلك المعطيات حتى لو عاش آلاف السنين.

سباق في وقت سابق من العام الجاري، وسع بنك الاستثمار “بانغورا” من انكشافه على الصين من خلال إطلاق خوارزمية “التعلم الذاتي” التي تفسد “اللغة السيبرانية” الصينية، التي يستخدمها المستثمرون على وسائل التواصل الاجتماعي للالتفاف على الرقابة الحكومية.

وتتيح تلك النتائج لمديري الاستثمار نافذة قيمة للتعرف على معنويات المستثمرين الأفراد الذين يهيمنون على السوق في الصين.

مخاوف متزايدة

من سيكون الطرف الخاسر في عالم الذكاء الاصطناعي؟
من سيكون الطرف الخاسر في عالم الذكاء الاصطناعي؟

هذا السباق المحموم، في توظيف الروبوتات الذكية لاتخاذ قرارات البيع والشراء في أسواق المال، أثار مخاوف محللين اقتصاديين حول مستقبل تلك الأسواق، في ظل هذه التطورات المتسارعة… حتى لو تمكن مالكو التقنية الحديثة من فرضها، هل سيتمكنون من فرض استمرارها؟

وكانت الأمم المتحدة قد حذرت في تقرير لها صدر مؤخرا، من أن التغير التكنولوجي، يمكن أن يتسبب في “جيل جديد من التفاوتات الشديدة في التنمية البشرية”.

وذكر تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية لعام 2019، أن هذا التغير سوف يحدث تحولات زلزالية يمكن أن تؤدي، إذا لم يتم بحثها، إلى “تغيرات كبيرة جديدة” في المجتمع، من النوع الذي لم يشهده العالم منذ بدايات الثورة الصناعية.

هناك أيضا مشكلة انتشار طلبات التعويضات بسبب ارتكاب أخطاء ومخالفات قانونية من قبل المصرفيين تنطوي على تضليل الزبائن في عرض فرص الاستثمار، فهل ستتمكن الروبوتات والذكاء الاصطناعي من تفادي تلك المخالفات وحماية المصارف من التعويضات الباهظة؟

لقد شهدت العقود الأخيرة تطورات وأزمات أدّت إلى تفاوت مستويات المعيشة، ومن ضمنها التفاوت في مستويات التعليم وتوظيف التكنولوجيا، وهذا أدّى بدوره إلى اتساع فجوة عدم المساواة، وهو العامل الرئيسي الذي يقف وراء الاحتجاجات التي تجتاح العالم بأسره، من هونغ كونغ إلى تشيلي مرورا بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. بل إنها بدأت بوادرها تجتاح الدول الغربية المتقدمة مثلما نلاحظ في فرنسا.

17