متاهة الأسماء والألقاب

حديثا وحينما دخلت صناعة الألقاب (خصوصا الفنيّة منها) غرف عمليات التجميل وأمست دعاية فجّة من تخصّص مديري الأعمال بمنطق البورصة، فقدت هذه الألقاب جاذبيتها، وضاعت منها نكهتها وطرافتها.
الخميس 2018/12/20
كم هي قسمة غير عادلة هذه الأسماء

ترى ما عسى أن يفعل الواحد بنفسه لو تمكّن من أن يعيد تسمية وتلقيب نفسه بنفسه؟

لو قدّر للإنسان ذلك، فحتما سوف يكرّم ذاته بأجمل الأسماء وأبهاها في نظره هو وحده ودون غيره طبعا، ولكن، ربما جاء ذلك بعد تفكير عمر بأكمله، بل على الأغلب، سوف ينتهي العمر وهو يفكّر في اسم يليق ويناسب ما عاشه. صحيح، وبالمناسبة، كيف نترحّم على من لا اسم له!؟

إذا لقّبت نفسك (بفتح التاء) أو لقّبتها (بالكسرة) بـ”النابغة” مثلا أو “سندريلا” أو “هرقل” أو “الشاب الظريف” أو حتى “الحكيم”. هل سينظر إليك الآخرون ويعاملونك على أساس تلك التسمية؟ بالتأكيد لا، فالأسماء ثلاثة، واحد يولد معك، وثان يختاره لك محبوك أو كارهوك سرا أو علانية على حد سواء، واسم ثالث تتمنى أن تكونه أنت وحدك فتلهث خلفه دون أن تدركه.

صحيح أنّ أهالينا تعبوا في البحث عن أسمائنا ـكما جاء في إحدى أغاني فيروز (أسامينا شو تعبوا أهالينا تلقوها)ـ لعلهم أرادوا بذلك أن لا يكلّفونا مشقّة البحث عن أسماء دون جدوى.

ربّما شاءت الأقدار ـ كما كان ولا يزال يحدث ـ أن يأتي حدث أو موسم فيلتصق ذلك باسم الوليد كنوع من التأريخ لتلك اللحظة. ربما لجأ أهل المولود إلى فتح صفحة، لا على التعيين، من كتاب مقدس أو مكتوب، تقع أعينهم على أول عبارة فتمسي اسما يلتصق بصاحبه إلى الأبد… إنها العشوائيات والمزاجيات والمصادفات. كم هي قسمة غير عادلة هذه الأسماء، كما قال شكسبير على لسان أحدى شخصياته.

ربما طرق باب بيتكم ضيف كما كان يحدث في السابق، ساعتها يصبح اسمك من اسم ضيف أهلك، وقد تقضي العمر لاعنا تلك اللحظة في صورة كان ضيف أهلك الثقيل يحمل اسما غريبا ومستوحشا ومنفّرا.

أما الألقاب فهي أكثر حفظا وأسلس سمعا من الأسماء والكنى المثبتة في الأوراق الرسمية، بل هي أبقى من صاحبها ومطلقها على حد سواء، لعلّها إعادة تصحيح للأسماء أو هكذا شاء الآخرون أن يروك، ولا جدوى عندئذ من الاعتراض أو التشكّي.

الألقاب في أصلها، تأتي للتكريم أو التندّر أو التفكّه أو حتّى الانتقام، ذلك أنها تسري في هشيم الأجيال ولا يوقفها إلاّ وارث الأرض ومن عليها.

أطرف الألقاب وأغربها هي تلك التي يطلقها الظرفاء على الظرفاء في الأوساط والمجتمعات الصغيرة مثل حيّ شعبي في قاع مدينة عريقة أو ضيعة نائية في أطراف ريف حالم.

تكثر التسميات التي يلقب بها الناس بعضهم بعضا حينما تتشابك العلاقات ضمن الأوساط الشعبية، في حين أن لا وقت لمدن المال والأعمال تضيّعه في إطلاق الألقاب. إنّها لا تنتج إلا الأرقام، ولا تصيب إلا بالتجهّم والأمراض النفسيّة، أمّا في البيئات البسيطة، فلا يكاد الواحد ينجو من لقب يرافقه في حياته ويبقى بعد مماته فيقبله عن طيب خاطر. ومنه من يغدو كنية تسجّل في دائرة النفوس وتثبّت على هويات الأحفاد.

قديما، وفي التراث العربي، تصالح الكثيرون مع ألقاب تبدو هجينة ومستوحشة ثم صارت لهم ولذريتهم مصدر فخر واعتزاز كالأعشى والمتنبي والجاحظ والفرزدق وأبي نواس والحطيئة، وغيرهم من أولئك الذين تأبّطوا هذه الألقاب وعاشوا في بيئة شفويّة لا وجود فيها للأوراق الثبوتيّة.

حديثا وحينما دخلت صناعة الألقاب (خصوصا الفنيّة منها) غرف عمليات التجميل وأمست دعاية فجّة من تخصّص مديري الأعمال بمنطق البورصة، فقدت هذه الألقاب جاذبيتها، وضاعت منها نكهتها وطرافتها لأنّها لم تعد كتلك الألقاب والتسميات التي يطلقها الناس الشعبيون بحسّهم العفوي ونباهتهم النادرة وحتّى مكرهم الجميل.

شخصيا، يعجبني بعض المطربين الشعبيين، وخصوصا من مغني الراب، الذين جعلوا من الألقاب التي أُطلقت عليهم في سنوات الدراسة التي لم يوفّقوا فيها، وكذلك الأحياء التي تربّوا فيها بل وحتّى السجون والإصلاحيات التي دخلوها، لقد جعل الأصيلون من هؤلاء هذه الألقاب سببا في ازدياد شعبيتهم، وجعلوها أوسمة على صدورهم المفعمة بمحبّة أهل الحارة أو الحتّة أو الحومة، وفق التسميات الشعبية المحلية في كل من سوريا ومصر وتونس.

21