متاهة الإصلاحات الاقتصادية تغذي الاحتجاجات التونسية

رمى خبراء اقتصاد بالمسؤولية على الحكومة في انفجار الاحتجاجات الشعبية بتونس خلال الآونة الأخيرة بسبب تراخيها المستمر في توظيف ما لديها من أدوات لتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين والعمل على الخروج من حلقة الأزمات الاقتصادية المغلقة.
الخميس 2018/01/18
الأوضاع المعيشية الصعبة تحاصر التونسيين

تونس – لم تتمكن الحكومة التونسية وفق خبراء من إحداث اختراق في الأزمة الاقتصادية حتى الآن، والتي طفت على السطح مؤخرا في شكل احتجاجات شعبية على تدابير التقشف القاسية وتباطؤ وتيرة الإصلاحات.

وعبر كثير من المواطنين في عدة مدن عن إحباطهم الشديد إزاء غياب دلائل ملموسة على تحسن مستوى المعيشة وتوفير فرص عمل جديدة للحد من نسب البطالة التي تجاوزت نحو 15 بالمئة بعد سبع سنوات من الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي.

ويقول محمد ضياء الهمامي، الباحث في السياسة الاقتصادية، إن سياسات الاستثمار لا تسعى إلى تطوير الأنشطة التي توفر فرص العمل، وإنما تلك التي تحقق أرباحا فقط.

ميشال بشير عياري: هناك من يستخدم الدولة للتخريب عبر التلاعب بالإجراءات الإدارية المعقدة

وأوضح أن معظم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تونس تبقى في قطاع استخراج الغاز أو النفط ما يؤدي إلى إيجاد فرص عمل قليلة، كما أن التركيز على الخدمات بما في ذلك السياحة سيوفر وظائف سمتها الهشاشة فضلا عن كونها موسمية.

وحذر الهمامي من أنه “إذا استمررنا على هذا المنوال، فسنجد أنفسنا في نهاية المطاف في ظل نظام بن علي مع نمو بنسبة 5 بالمئة وبطالة تراوح بين 15 و18 بالمئة”.

وبعد سنوات من الركود، سجلت تونس نموا العام الماضي بنحو 2 بالمئة، مقابل واحد بالمئة في العام الذي سبقه ونحو 0.8 بالمئة في 2015، لكن هذا لم يترك أي تأثير على الوظائف مع بقاء نسبة البطالة في مستويات عالية.

وحتى اليوم لم تترجم الاستثمارات التي تم الإعلان عنها خلال مؤتمر “تونس 2020” في أواخر 2016 على أرض الواقع، وهو سبب كاف بحسب المحللين بأن يشعر غالبية من المواطنين باقتراب نفاد صبرهم.

ويبدو أن ذلك الأمر قمة جبل المشاكل الظاهرة فقط والتي انعكست تداعياتها على قيمة الدينار الذي انهار أمام اليورو والدولار مع تبخر احتياطات النقد الأجنبي، ما أدى في نهاية المطاف إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني.

وبعد احتواء التضخم لعدة سنوات، ارتفعـت الأسعـار العـام المـاضي بنحـو 6 بالمئة على خلفية انخفاض العملة المحلية وارتفاع الضرائب. ويرى العديد من المحللين أن التضخم سيستمر في الارتفاع العام الحالي.

ورغم كثرة عمليات التشريع، فإن بعض القوانين تنتظر منذ سنوات ولعل أكبر دليل على ذلك عـدم توظيف قانون الاستثمار الجديد لجذب المزيد من المستثمرين بسبب الاضطرابات الاجتماعية بين الفينة والأخرى.

ويقول شفيق بن روين رئيس المرصد الاقتصادي التونسي إن هناك العديد من الإصلاحات، غير أنها أقرت تلبية لمتطلبات المانحين الدوليين لاستكمال الموازنة.

محمد علي مرواني: يجب إصلاح نظام الإعانات بحيث تدعم الشريحة ميسورة الحال جهود الدولة

وفي سبيل تهدئة الحركات الاجتماعية، وسعت الحكومات المتعاقبة نطاق التوظيف في دوائرها منذ عام 2011 وقد زادت وتيرة التوظيف العشوائي في القطاع العام خلال فترة حكم الترويكا.

وبسبب تباطؤ النمو، أدت هذه السياسة إلى اتساع العجز، ما اضطر الحكومة إلى طرق باب الاقتراض الخارجي وهو ما حصلت عليه بالفعل من صندوق النقد حين منح تونس 2.9 مليار دولار مقابل حزمة إصلاحات قاسية بما فيها تقليص عجز الموازنة.

وحاولت الحكومة بقيادة يوسف الشاهد تقديم تعهدات بتحسين مناخ الأعمال، لكن العديد من العقبات لا تزال قائمة.

وقال الخبير ميشال بشير عياري، من مجموعة الأزمات الدولية، إن “السوق المحلية لا تزال خاضعة لسيطرة أشخاص دخلوا الأعمال التجارية إبان سبعينات القرن الماضي فضلا عن مجموعة من الرموز الإقليمية أو السياسية الأخرى”.

وأوضح أن هؤلاء يستخدمون الدولة للتخريب على بعضهم البعض، من خلال التلاعب بالإجراءات الإدارية المعقدة.

ويعتقد عياري أن هناك ضرورة لتسهيل الوصول إلى التمويل المصرفي، وتنظيم شركات الوساطة وغيرها من الوسطاء للحد من النفوذ الغامض.

وأطلقت الحكومة العام الماضي، معركة على الفاسدين بعد سنوات من التقاعس ولكن منذ عمليات اعتقال في مايو الماضي شملت رجال أعمال وموظفين كبارا على رأس مؤسسات حكومية، لم يتم الكشف عن أي معلومات عنها.

ولا يقف الأمر عند ذلك الحد، بل يتجاوزه إلى عجز الحكومة عن وضع تصور شامل لنظام الدعم ينهي مشكلة الفقر، ولا يزال يتعين إثبات فعالية بعض الحوافز الضريبية المتهمة بأنها تسبب تمييزا بين الجهات.

ويعتبر محمد علي مرواني الأمين العام لدائرة الاقتصاديين العرب أنه ينبغي إجراء تقييم لنظام الحوافز والإعانات واصلاحه بحيث يكون الأشخاص الأفضل حالا هم الأكثر مشاركة في الجهود.

ولا تزال الدولة تدعم المنتجات الأساسية مثل الخبز والوقود بما في ذلك للأسر ميسورة الحال، في حين تطال الزيادة في ضريبة القيمة المضافة الأسر محدودة الدخل.

ويدافع الخبير صفوان بن عيسى الذي عمل مع حكومات قبل وبعد 2011، عن خطة تحديث اقتصادي بدلا من الإصلاحات النظرية بإشراف المانحين.

10