متاهة البحث عن الخلاص الشخصي أمام الغزو الفضائي

المعالجة الدرامية للفيلم تشتمل على مقاربة مباشرة لثنائية الضوء والظل والظلام، ولربما كان تعرض الشخصيات للاختطاف هو صلتها بالنور.
الاثنين 2019/11/04
كابوس لا ينتهي

شاهد عشاق السينما من قبل العديد من الأفلام التي تقدّم قصص الفضائيين الذين يخطفون الأرضيين، كما في فيلم “رجل النجوم”، مرورا بأفلام “يوم الاستقلال”، و”هجمات المريخ”، و”اتصال”، و”العامل الخامس”، و”المنطقة 9”، و”حافة الغد”، و”الوصول”، وصولا إلى الفيلم الجديد “مواجهة الظلام” الذي لا يحيد عن هذا الطرح الفنتازي الممزوج بالخيال العلمي، مع إضافة عنصريْ الجريمة والرعب.

فكرة الاختطاف وخضوع البشر لإرادة كائنات فضائية، ثيمة فيها الكثير من الجاذبية في أعمال الفانتازيا والخيال العلمي. الزائرون الغرباء الذين قد يهبطون على الأرض ويختارون ضحاياهم ومن ثم تبدأ تلك التراجيديا التي تناقش نتائج تلك العملية وتخيلات شتى لكيفية وقوعها، فضلا عن استرجاعها من وجهة نظر من شاهدوها.

لكن الأمر يتسع إلى ما هو أبعد، إلى المواجهة التي من الممكن أن تقع ضد الكائنات الفضائية ومحاولة التصدي لها ليتحقّق عدم التكافؤ بين قوتي الطرفين، وتاليا تحوّل قصة الفضائيين الذين يهبطون على الأرض ويختارون ضحاياهم إلى قصة مألوفة من فرط تداولها.

وفي فيلم “مواجهة الظلام” للمخرج كار ستراثي نعود إلى الثيمة ذاتها، ولكن من خلال مقاربة أخرى مختلفة يختلط فيها الرعب بالجريمة وبالخيال العلمي.

تبدأ المشاهد الأولى من الفيلم مع اختفاء فتاة صغيرة من المنزل خلال غياب والديها لننتقل إلى الذكرى السنوية الأولى لحادثة الاختفاء وذلك في العام 1982.

تجتمع العائلة المكوّنة من الأب راي (الممثل ميل ريدو) والأم أوليفيا (الممثلة لاورا فريزر) ومعهم الأقارب لاستذكار غياب الطفلة، ثم ما يلبث الجميع أن يخرجوا لتعقب فتيان عابثين في الخارج لتنتهي تلك المحاولة بحوادث فظيعة.

الليل يمتد بطوله ويتحول إلى كابوس حقيقي، ينقلب المنزل رأسا على عقب وتشتغل أجهزة التسجيل وتضاء المصابيح وتنطلق أصوات وتتحرك أشياء بطريقة عشوائية لا يعرف أحد مصدرها حتى اختفاء شخصين على الأقلّ ممّن كانوا حاضرين، ثم يلي ذلك اختفاء الزوج راي وشقيقه رجل الشرطة كينيث (الممثل كرانت ماسترس).

تعيش أوليفيا في دوامة محيّرة كما أن قصة الضوء وأجواء الرعب لا تتوقف، ولا أثر للفتاة المفقودة حتى اللحظة التي تنهار فيها وتشاهد كائنا غريبا يداهمها وهي نائمة.

يتحوّل المنزل بوصفه وحدة مكانية أساسية في هذا الفيلم، حيث تمّ تصوير أغلب المشاهد في داخله، إلى منزل أشباح مخيف، ويتطوّر الأمر إلى تدخل رجال الشرطة لفهم ما يجري.

تحاكي هذه الدراما الفيلمية العديد من الأفلام التي تمزج الرعب بالخيال العلمي، وهنا في منزل الأشباح يبحث الكل عن الخلاص من ذلك الكابوس الذي لا ينتهي. وتشتمل المعالجة الدرامية على مقاربة مباشرة لثنائية الضوء والظل والظلام، ولربما كان تعرض الشخصيات للاختطاف هو صلتها بالنور.

وبموازاة ذلك يبث كاتب السيناريو وهو المخرج نفسه، حبكات ثانوية لكي يفسر الكثير من الغموض والتداخل في الأحداث التي تقترب في بعض الأحيان من الألغاز المحيرة. لكن التحوّل الدرامي يقع عندما يُزال الحاجز الذي يمنع أوليفيا من معرفة الحقيقة.

عتمة تنذر بالشؤم
عتمة تنذر بالشؤم

ها هي تشاهد ابنتها وقد اكتنف اختفاؤها الغموض، ولكن وفي وسط تحوّل درامي مفاجئ تتمكن من رؤية الفتاة في الدقائق الأخيرة قبل الاختطاف. الطفلة وحيدة في المنزل، يدخل زوج عمتها الضابط كينيث ويقوم باغتصابها، ومن ثم قتلها ودفنها في الغابة. تشاهد الأم اغتصاب وقتل طفلتها فتدخل في دوامة أخرى، إذ أن ما رأته لم يكن ليراه أحد غيرها.

تنوّع الشخصيات في هذه الدراما الفيلمية كان ملفتا للنظر وكل منها أخذ نصيبه من تلك المعاناة القاسية ومحاولة إيجاد منفذ للخروج منها، وخاصة راي وأوليفيا وصولا إلى الآخرين وكل منهم يدور في دوامة لا نهاية لها ولا خصوم فيها.

ويمكن القول إن خطوط السرد المتعددة لم تترك لنا مساحة مبهرة على صعيد الأحداث، إذ بدت الشخصيات كمن يبحث في المتاهة عن خلاص شخصي، بينما كانت أوليفيا هي الوحيدة التي تريد أن تتحقّق من سر اختفاء ابنتها.

ويمكن من جهة أخرى النظر إلى الفيلم على أنه من الأفلام قليلة التكلفة الإنتاجية، حيث اقتصرت أماكن التصوير على المنزل الغامض وما يحيط به والغابة ومركز الشرطة، وما عدا ذلك سعى المخرج إلى إدخال العديد من الحقائق الغامضة.

وأما على صعيد صناعة المشهد، فقد تميّز بحرفية عالية، وخاصة في مشاهد الغابة وتحليق أسراب من الطيور بشكل مفاجئ في ذلك الليل الجاثم، ثم ما تلا ذلك من أجواء مشحونة في داخل المنزل.

ومعلوم أن المنزل شهد أغلب الأحداث، بل هو المكان الذي أراده المخرج أن يكون لغزا في حد ذاته حتى لتحسب أنه فيلم رعب، وأن الأحداث مرتبطة بأرواح مجهولة هي التي تخلق ذلك الجو المليء بالألغاز.

وفي كل ذلك، وعلى الرغم من متانة البناء الدرامي والقصة الفيلمية، إلاّ أنّ أحداثا بعينها بدت غير مقنعة إلى حد كبير، ومنها مثلا اختطاف الشخصيات ثم عودتها؟ وكم استغرق غيابها؟ وكيف تم خطفها؟ وإلى أين ذهبت؟ وماذا شاهدت؟ ثم يبرز السؤال الأهم، وهو، هل أنّ الفتاة المخطوفة باتت لها قوة مرتبطة بالفضائيين لتمتلك قدرات خارقة؟

16